• اخر الاخبار

    الاثنين، 23 فبراير 2026

    فطار الرئيس في نهار رمضان في بث مباشر..بقلم : محمد فتحى السباعى

     


    اللحظة التي واجه فيها ابن عاشور السلطة بكلمة واحدة

    لم يكن نهارًا عاديًا من نهارات رمضان.

    كانت تونس في مطلع ستينيات القرن الماضي تمضي في مشروع دولة حديثة يقودها رئيسها الأول، الحبيب بورقيبة. خطابٌ إصلاحيٌّ صاخب، ورغبةٌ معلنة في تسريع عجلة الإنتاج، وبناء وطنٍ يتقدّم بخطوات واثقة نحو المستقبل.

    لكن في عام 1961، حدث ما لم يكن في الحسبان.

    ظهر الرئيس في بثٍّ علني، وفي نهار رمضان، وأمسك بكأس ماء أمام الكاميرات. لم يكن المشهد عابرًا، ولا الحركة بريئة من دلالتها الرمزية. كانت رسالة سياسية واضحة: دعوة إلى الإفطار بحجة رفع الإنتاجية، وتغليب مصلحة العمل على فريضة الصيام.

    ثم جاءت الخطوة الأخطر.

    طُلب من مفتي الديار التونسية، الإمام العلّامة محمد الطاهر بن عاشور، أن يُضفي على القرار غطاءً شرعيًا. فتوى تبيح الإفطار العام بدعوى البناء والعمل.

    تونس كلّها كانت تترقّب.

    هل يخضع العالم لسلطان الدولة؟

    هل تُطوَّع النصوص لتلائم خطاب السياسة؟

    أم أن في الأمر كلمة فاصلة تُعيد ترتيب الموازين؟

     لحظة البثّ… وثقل الآية

    حين ظهر الشيخ على شاشة التلفاز، لم يفتتح حديثه برأيٍ سياسي، ولا بمداورةٍ لغوية. تلا بصوت ثابت قوله تعالى:

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

    ساد صمتٌ كثيف.

    لم يكن صمتًا عابرًا، بل كان أشبه بلحظة مفصلية بين سلطة القرار وسلطة النص. ثم رفع الشيخ رأسه، ونطق بجملةٍ ستبقى – في الذاكرة الشعبية – عنوانًا لذلك الصدام:

    "صدق الله… وكذب بورقيبة."

    جملة قصيرة، لكنها حمّالة دلالات كبرى. لم تكن مواجهة شخصية بقدر ما كانت إعلانًا لمبدأ: أن الفتوى ليست أداة في يد الحاكم، وأن النص الشرعي لا يُعاد تشكيله وفق مقتضيات السياسة.

    ثم جاء البيان الفقهي واضحًا:

    إن الإفطار العام في رمضان بغير عذرٍ معتبر شرعًا لا يجوز، ولا يصحّ تسويغه بدعوى زيادة الإنتاج.

     بين الدولة والعالم

    لم يكن الحدث مجرّد اختلاف في الرأي، بل كان امتحانًا لمفهوم العلاقة بين الدين والسلطة. في تلك اللحظة، تجسّدت صورة العالم الذي يرى نفسه حارسًا للنص، لا موظفًا لدى القرار السياسي.

    تباينت القراءات التاريخية للواقعة، لكن الثابت أن موقف الشيخ رسّخ في الوعي الجمعي صورة العالِم الذي لا يساوم على ما يعتقده حكمًا شرعيًا بيّنًا.

    لقد كانت تلك اللحظة درسًا مزدوجًا:

    أن الدولة مهما بلغت من قوة، تبقى بحاجة إلى شرعية أخلاقية.

    وأن العالِم إذا تخلّى عن استقلاله، فقد دوره في ميزان الأمة. ما الذي بقي من القصة؟

    بقي اسم محمد الطاهر بن عاشور مقرونًا بالشجاعة العلمية، وبقيت الحادثة مثالًا يُستحضر كلما طُرحت أسئلة العلاقة بين الفتوى والسلطة.

    ليست العبرة في كأس ماء رُفع أمام الكاميرا،

    ولا في خطابٍ سياسي عابر،

    بل في تلك اللحظة التي اختار فيها عالمٌ أن ينحاز إلى ما يراه نصًا قطعيًا، مهما كان الثمن.

    فهكذا تُصنع الرموز:

    حين يقف رجلٌ أعزل إلا من يقينه،

    أمام دولةٍ بكامل سلطانها،

    ويقول كلمته… ثم يمضي.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: فطار الرئيس في نهار رمضان في بث مباشر..بقلم : محمد فتحى السباعى Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top