ما جرى
في قرية ميت عاصم بمحافظة القليوبية ليس واقعة عابرة في دفتر الجرائم، بل جرس
إنذار مدو في أذن وطن يتآكل من داخله. ليست الحكاية حكاية شاب أُهين وعذب وسحل في
الشوارع، بل حكاية مجتمع انفلت عقده، وسقطت منه خرزة “الرحمة” فتبعثرت بقية
الخرزات على قارعة العنف والهمجية.
أي
دراما تلك التي تصدر لنا البلطجي بطلا؟ وأي سينما تلك التي تجعل من البلطجة رجولة،
ومن استعراض القوة شرفا، ومن إذلال الضعيف مشهدا يصفق له؟! لقد تحولت الشاشات في
بيوت بعضنا إلى مدارس لتعليم القسوة، وإلى دورات تدريبية مجانية في التنكيل، وإلى
منصات تمنح “كاريزما” لمن يعلو صوته ويشهر سلاحه.
في
واقعة ميت عاصم، رأينا مشهدا يكاد يكون منسوخا من سيناريو رديء ..اقتحام، تهديد،
خطف، تعذيب، استعراض في الشوارع.. وكأن الكاميرا تدور، وكأن هناك مخرجا يصرخ “أكشن!”..
لكن الفارق أن الدم حقيقي، والدموع حقيقية، والكرامة المهدرة حقيقية.
شاب
بسيط، أحب وأراد الحلال، كما أكدته روايات الأهالى بالقرية؛فكان جزاؤه أن يختطف من
بين أهله وينكل به أمام الناس. أي شريعة هذه التي تحاكم الفقير لأنه فقير؟ وأي
قانون عرفي هذا الذي يبيح لجماعة أن تتحول إلى محكمة وجلاد في آن واحد؟ بل أي زمن
هذا الذي يقف فيه بعض المتفرجين موقف المتعة، يصورون المشهد بدل أن يوقفوه؟
لقد
صنعت بعض الأعمال التلفزيونية والسينمائية نموذجا مشوها للرجولة؛ رجولة تقاس بعدد
الضربات لا بعدد المروءات، وبقوة القبضة لا بقوة الخلق. صورت لنا “الفتوة” باعتبارها
سلطة البطش، لا سلطة العدل. روجت لفكرة أن “اللي يضرب الأول هو اللي يكسب”، وأن
الهيبة تنتزع بالإهانة. ومع الوقت، تسللت هذه المفاهيم من الشاشة إلى الشارع، ومن
الخيال إلى الواقع.
حين
يتحول الأب إلى قائد ميليشيا، ويجتمع الأقارب كأنهم عصابة، ويختطف شاب من بين
أهله، ثم يسحل في الأزقة، فنحن أمام انهيار منظومة كاملة؛ منظومة تربية، ومنظومة
قيم، ومنظومة ردع. وحين يقف بعض وجهاء القرية صامتين، أو - كما تردد - يشارك أحدهم
في الإهانة، فاعلم أن المرض لم يعد في الأطراف بل وصل إلى القلب.
#الدراما_يا_سادة؛
ليست وحدها الجاني، نعم، لكنها شريك في الجريمة حين تكرس صورة العنف كخيار أول، وحين
تطبع القسوة في وجدان المراهقين، وحين يعاد بث مشاهد الضرب والسحل مئات المرات حتى
تفقد بشاعتها في أعيننا. فالفن رسالة، فإن لم يسم بالذوق هبط به، وإن لم يحصن
العقول سممها.
فسدنا
النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”. فأين نحن من
هذا الهدي؟! أين نحن من قيم الشهامة التي كانت تجعل الرجل يحمي خصمه إذا استجار
به؟! كيف أصبح بعضنا يتلذذ بإذلال شاب أعزل لأنه “غلبان”؟! ألهذا الحد صار الضعف
جريمة تستوجب العقاب؟!
إن ما
حدث في ميت عاصم ليس درسا للشباب المقبلين على الزواج فحسب، بل صفعة على وجه مجتمع
ترك أبناءه يتربون على مشاهد الدم والبلطجة، ثم تعجب حين رأى النسخة الحية تمشي
بيننا. هو ناقوس خطر يطالبنا بإعادة النظر فيما ننتجه ونستهلكه من محتوى، وفيما
نزرعه في عقول أولادنا من صور ومعايير.
#أيها_القراء؛لسنا
بحاجة إلى مزيد من “أبطال الشاشة” الذين يتقنون الضرب، بل إلى أبطال حقيقيين
يتقنون العدل. لسنا بحاجة إلى أعمال تسوق للعنف بوصفه بطولة، بل إلى دراما تعيد
تعريف الرجولة؛ خلقا، وصبرا، وحلما، ونصرة للمظلوم.
وإلا؛فسنصحو
كل يوم على “ميت عاصم” جديدة، ونكتب المقال ذاته، ونبكي الضحية ذاتها، ونلعن
المجتمع ذاته، بينما تستمر الشاشات في بث الدرس الخطأ.. جيلا بعد جيل..!!

0 comments:
إرسال تعليق