• اخر الاخبار

    السبت، 7 فبراير 2026

    مجتمع يتغيّر وقيم تتآكل..بقلم : ساجدة جبار

     


    لم يعد التغيّر سمة عابرة في مجتمعاتنا، بل أصبح واقعًا يوميًا يتسلّل إلى تفاصيل الحياة بهدوء، حتى غدا مألوفًا لا يُسأل عن أسبابه ولا عن نتائجه. تتبدّل الوجوه، تتسارع الخطوات، وتتغير الأولويات، بينما تقف القيم الإنسانية على الهامش، تراقب المشهد بصمت.

    في زحمة التطور التقني والانفتاح المتسارع، لم يكن الخطر في التغيّر ذاته، بل في الطريقة التي تغيّرنا بها. أصبح النجاح يُقاس بالمظاهر، لا بالمبادئ، وبالسرعة لا بالعمق. تراجع الحوار الصادق، وحلّ محله جدل صاخب يفتقر إلى الإصغاء، وتقلّصت مساحات التعاطف لصالح أنانية مغلّفة باسم الواقعية.

    تآكلت قيم مثل الاحترام، والصدق، والمسؤولية، لا لأنها لم تعد صالحة، بل لأنها لم تعد مربحة في نظر البعض. صار الخطأ يُبرَّر، والحق يُساوَم عليه، والضمير يُؤجَّل بحجة الظروف. ومع الوقت، بدأ الإنسان يشعر بالغربة داخل مجتمعه، محاطًا بالناس، لكنه وحيد في المعنى.

    وسائل التواصل، التي وُجدت لتقريب المسافات، عمّقت أحيانًا الفجوة بين القلوب. كثرت الأصوات وقلّت الحكمة، وانتشرت الآراء دون وعي، حتى أصبح الضجيج بديلاً عن الفكرة، والانفعال بديلاً عن الحوار. في هذا المناخ، تراجعت القيم التربوية، وضعف دور الأسرة، وتشوّهت صورة القدوة.

    ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن القيم قد ماتت، بل هي مُهمَلة تنتظر من يعيد إليها الحياة. فما زال في المجتمع من يتمسّك بالأخلاق، ويؤمن بأن الإنسانية ليست ضعفًا، بل قوة. وما زال هناك من يختار الصدق رغم كلفته، والعدل رغم صعوبته، والرحمة رغم قسوة الواقع.

    إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إيقاف عجلة التغيّر، بل في إعادة توجيهها. أن نُحدِث توازنًا بين الحداثة والأصالة، بين التقدّم والقيم، بين الطموح والضمير. فالمجتمع الذي يفقد قيمه، مهما بلغ من تطوّر، يظل مهددًا بالفراغ.

    وفي نهاية المطاف، تبقى القيم مسؤولية فرد قبل أن تكون شعار مجتمع. فكل تغيير يبدأ من الداخل، وكل قيمة تُنقَذ تبدأ بإنسان قرر ألا يكون جزءًا من التآكل، بل بذرة للترميم.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مجتمع يتغيّر وقيم تتآكل..بقلم : ساجدة جبار Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top