في
أروقة إحدى الدوائر الرسمية، دارت فصول هذه القصة التي نرويها لا تشهيرا بالأسماء،
بل اتعاظا بالمصائر، وتذكيرا لكل ذي سلطة بأن فوق كل قوي من هو أقوى منه، وأن
الواحد الأحد، الفرد الصمد، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. كان هناك مدير
اتخذ من القسوة منهجا، ومن الجور سبيلا. كان يترصد هفوات الموظفين البسطاء، فيطبق
عليهم نصوص القانون بلا روح أو رحمة، بوجه عابس وقلب غليظ لا تعرف الابتسامة إليه
طريقا. أما ذوو النفوذ والصلات، فقد كان أمامهم صامتا مستكينا، يغض الطرف عن
تجاوزاتهم الجسيمة وكأنها لم تكن، فاجتمع فيه قبح الظلم وذل المحاباة. استمر في
طغيانه ظانا أن سلطته أبدية، حتى أتى أمر الله من حيث لا يحتسب. فبقرار من سلطة
أعلى، جرد من منصبه وأهينت مكانته ليوضع مكانه قريب لمدير عام، ليذوق من كأس التهميش
الذي أذاقه لغيره. ولم ينته المشهد هنا، فقد ابتلاه الله بسقم في جسده، سلب منه
القدرة على الحركة إلا بألم يمزق الأوصال ودموع تفيض ندما. والأنكى من ذلك، أن
مرارة الظلم التي زرعها في بيته حصدها جفاء من زوجته وأبنائه، حتى جيرانه انفضوا
من حوله. سقط القناع، وبقي وحيدا يصارع الندم في وقت لا ينفع فيه الندم، بعد أن
صدر الحكم الإلهي الذي لا يرد. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" فليعلم
كل من غره بريق الكرسي وتجبر بسلطانه، ان دوام الحال من المحال، وان سهام
المظلومين في جوف الليل لا تخطئ مرماها. ان نهاية الظالم ليست مجرد فصول تطوى، بل
هي عبرة باقية، فالحياة سلف ودين، وما تزرعه اليوم من قسوة، ستحصده غدا في اهلك
وجسدك وعاقبة امرك، وما ربك بظلام للعبيد.
---------------------
قصيدة: عاقبة
الجور
تذكر إذ
قدرت على العباد .. بأن الله فوقك في المرصاد
ولا
يغرك منصب أو شموخ .. فكل الملك يمضي للنفاد
رأينا
جائرا في الناس يمشي .. بوجه جامد صلد الفؤاد
يذيق
الضعف قانونا شديدا .. ويحني الرأس لأهل الوداد
يغض
الطرف عن خلل جهارا .. إذا كان المسيء ذوي أيادي
ولكن
الزمان له صروف .. تهدم كل صرح من عماد
أزيح عن
المقام وصار فردا .. يجر خطاه في ثوب الحداد
أتاه
السقم يبكي من عذاب .. وضاع الود من أهل وناد
فلا جاه
يدوم ولا بنون .. إذا نزل القضاء من الجواد
ألا يا
ظالم الضعفاء مهلا .. فإن الله بالمرصاد هادي
سيحصد
كفه ما كان يزرع .. ويجني الشوك في يوم التناد
فسبحان
الذي يمهل رويدا .. ويقضي بالعدالة والسداد

0 comments:
إرسال تعليق