قد ينجح كثيرون فى الصيام عن الطعام، لكن القليلين فقط
ينجحون فى الصيام عن الكلام.
فالجوع يحتمل، والعطش يقاوم، أما زلة اللسان فقد تهدم فى
لحظة ما بنته أيام من الطاعة.
لهذا لم يجعل الإسلام الصيام امتناعا جسديا فحسب، بل
جعله مدرسة أخلاقية دقيقة، يبدأ إصلاحها من الفم… لا من المائدة.
قال رسول الله:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس
لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه".
وهنا تتكشف الحقيقة التى يغفل عنها كثيرون:
الصيام الحقيقى يبدأ حين نصوم عن الأذى.
فى زمن الثورة التكنولوجية، تضاعفت خطورة الكلمة.
فلم تعد الزلة تُقال فى مجلس محدود ثم تنتهى، بل تُكتب
فتطير، وتُشارك فتنتشر، وتبقى شاهدا لا يمحوه الزمن بسهولة.
كم من خصومة اشتعلت بسبب تعليق!
وكم من سمعة جرحت بسبب منشور!
وكم من قلوب انكسرت بسبب كلمة قيلت فى لحظة غضب!
رمضان يأتى ليضع أمام ألسنتنا ميزانا دقيقًا:
إما كلمة ترفعك.. أو كلمة تثقلك.
تهذيب اللسان فى رمضان ليس صمتا سلبيا، بل اختيار واعٍ:
أن تقول الخير حين تنطق،
وأن تصمت حكمةً حين يغريك الجدل،
وأن تذكر الله بدل أن تذكر عيوب الناس،
وأن تنشر طمأنينة بدل أن تروج خوفًا أو شائعة.
البيت الذى يهدأ فيه اللسان، تهدأ فيه النفوس.
والأسرة التى يسودها الكلام الطيب، تقل فيها الخصومات.
والمجتمع الذى يضبط كلماته، تنخفض فيه حرارة التوتر.
إن أخطر ما تفعله الكلمات الجارحة أنها تترك ندوبا لا ترى.
قد ينسى الإنسان موقفًا، لكنه لا ينسى كلمة كسرت خاطره.
فلنجعل من رمضان تدريبا عمليا على نقاء الحديث:
نُقلل الشكوى،
نكثر الذكر،
نبتعد عن الغيبة،
ونزن كل كلمة قبل أن تخرج.
تذكر دائما:
رب كلمة صغيرة.. رفعت صاحبها،
ورب كلمة عابرة.. أوردته موارد الندم.
اللهم طهر ألسنتنا من الزلل، واملأها بذكرك وشكرك، واجعل
كلامنا نورا لا أذى فيه.
اللهم احفظ مصرنا الغالية، وألّف بين قلوب أهلها، وأبعد
عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وإلى اللقاء فى المقال الثامن من سلسلة
"رمضان… حين يعود القلب إلى الحياة"

0 comments:
إرسال تعليق