ليست المشكلة فى قلة الوقت، بل فى سوء استخدامه.
فالساعة هى الساعة، والدقيقة هى الدقيقة، لكن الفرق
الحقيقى بين إنسانٍ وآخر هو: كيف تُنفق العمر؟
ويأتى رمضان كل عام ليعيد ترتيب علاقتنا بالزمن.
ففى هذا الشهر المبارك نشعر - لأول مرة - أن لليوم
إيقاعا مختلفا، وأن للساعة وزنا، وأن للدقيقة قيمة قد تغير مصير إنسان.
رمضان مدرسة عملية فى إدارة الوقت، لكنه - مع الأسف -
يتحول عند البعض إلى موسم إهدارٍ من نوعٍ آخر:
سهر بلا هدف،
شاشات لا تنطفئ،
نهار يضيع فى النوم،
وليل يستنزف فى ما لا يبقى.
فنخرج من الشهر وقد تغيّر جدولنا… لكن لم تتغير حياتنا.
الصائم الواعى يدرك أن البركة لا تعنى كثرة الساعات، بل
حسن توظيفها.
وأن لحظةً مع القرآن قد تُصلح ما أفسدته ساعات من
الشرود، وأن دقيقة دعاء صادقة قد تفتح أبوابا ظلت موصدة أعواما.
قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
وكأن الزمن نفسه شاهد على من أحسن استثماره.. ومن بدده
فى الغفلة.
فى زمن الثورة التكنولوجية، أصبح الوقت أكثر عرضة للسرقة
الهادئة.
إشعار هنا، ومقطعٌ هناك، وجدل لا ينتهى.. فتتآكل الساعات
دون أن نشعر، حتى يصبح اليوم خفيف الإنجاز، ثقيل الندم.
ورمضان فرصة ذهبية لاستعادة السيطرة.
كيف نربح أعمارنا فى هذا الشهر؟
أولا: تحديد الأولويات
ليس كل ما يُعرض يستحق المتابعة، وليس كل ما يقال يستحق
الرد.
ضع لنفسك برنامجا واضحا: قرآن، عبادة، عمل، أسرة..
وستندهش كم يتسع اليوم حين تنضبط البوصلة.
ثانيا: تقليل المشتتات
أطفئ ما لا يلزم، وابتعد عما يستنزفك بلا فائدة.
فالقلب - كالهاتف - إذا فُتحت عليه تطبيقات كثيرة، بطؤ
أداؤه.
ثالثًا: اغتنام الأوقات الذهبية
ما بين الأذان والإفطار دعاء لا يرد،
وفى السحر صفاء لا يتكرر،
وفى لحظات الخلوة نور لا يشترى.
هذه المحطات ليست تفاصيل عابرة، بل كنوز زمنية مودعة فى
رمضان.
إن الإنسان الذى يتعلم فى رمضان قيمة وقته، يصعب عليه
بعده أن يبدد عمره بسهولة.
ومن ربح يومه… ربح حياته.
فلنجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق نحو عمرٍ أكثر وعيا،
وأيام أكثر بركة، وساعاتٍ أكثر أثرا.
اللهم بارك لنا فى أوقاتنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك، ولا تجعل رمضان يمر بنا مرور الغافلين.
اللهم احفظ مصرنا الغالية، وبارك فى أعمار أهلها
وأوقاتهم، وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار.
وإلى اللقاء فى المقال السابع من سلسلة
"رمضان… حين يعود القلب إلى الحياة"

0 comments:
إرسال تعليق