• اخر الاخبار

    الخميس، 19 فبراير 2026

    حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة: "رمضان..حين يعود القلب إلى الحياة"..رمضان وتربية الإرادة.. كيف نصنع إنسانا لا تهزمه الشهوات ولا تشتته الشاشات؟ (2/30)

     

     


    رمضان ليس موسما للعاطفة العابرة، بل معسكرا لتدريب الإرادة.هو الشهر الذى يعيد للإنسان سيادته على نفسه، بعد أن كادت نفسه أن تستعبده فى زحام الشهوات، وفى طوفان الشاشات التى لا تغلق.فى عالم صارت فيه اللذة أسرع من التفكير، والمعلومة أسرع من التأمل، والرد أسرع من الحكمة.. أصبح الإنسان مهددا بفقدان أثمن ما يملك؛ التحكم فى ذاته.وهنا تأتى فريضة الصيام، لا لتجوع الجسد، بل لتشبع الإرادة.

    قال تعالى:﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾والتقوى ليست سوى يقظة دائمة، أن تملك القدرة على الفعل ثم تختار الامتناع. أن تكون الشهوة أمامك مباحة بعد أذان المغرب، لكنك تنتظر لحظة الإذن. هذا الانتظار هو أول درس فى بناء الإنسان القوى.

    رمضان يعلمنا أن الإرادة لا تولد قوية، بل تصقل بالتكرار.

    كل يوم صيام هو لبنة فى جدار الصبر، وكل امتناع عن كلمة جارحة هو انتصار صغير، وكل غض بصر فى زمن الفوضى البصرية هو بطولة صامتة.

    لقد صارت الشاشات اليوم تربى أبناءنا أكثر مما نفعل، وتشكل وعينا قبل أن يتشكل فى بيوتنا ومدارسنا. هاتف صغير قد يهزم أمامه أب كبير إن لم يمتلك زمام نفسه.

    فكيف نصنع إنسانا لا تهزمه الشهوات ولا تشتته الإشعارات؟

    نصنعه بثلاثة أركان:

    أولا: ضبط الوقت

    رمضان يعيد للوقت قدسيته. ساعة القرآن ليست كساعة التصفح. لحظة الدعاء ليست كلحظة الجدل. حين يتعلم الفرد أن يمنح لكل شىء قدره، يسترد سيطرته على يومه، ويسترد يومه سيطرته على حياته.

    ثانيا: تعظيم المعنى

    حين يدرك الصائم أن الله يراه، وأن امتناعه سر بينه وبين خالقه، تتكون لديه رقابة داخلية لا تحتاج إلى كاميرات. هذه الرقابة هى أساس المجتمع النظيف، والأسرة المستقرة، والموظف الأمين، والمسؤول الذى يخاف الله قبل أن يخاف القانون.

    ثالثًا: التدريب على التأجيل

    أخطر ما أفسد الإنسان المعاصر هو ثقافة «الآن». يريد كل شىء فورا؛ المتعة، الرد، الشهرة، المكسب.

    رمضان يعلمنا قيمة الانتظار..انتظار الأذان، انتظار الإجابة، انتظار الثواب. ومن تعلم الانتظار تعلم الحكمة.

    الفرد القوى بإرادته يصلح أسرته،

    والأسرة الواعية تقوّم مجتمعها،

    والمجتمع الذى يملك إرادته لا تهزمه أزمات ولا تغرقه شائعات.

    إننا لا نحتاج فى هذا العصر إلى مزيد من الأجهزة بقدر ما نحتاج إلى مزيدٍ من الضمائر.

    ولا نحتاج إلى سرعة الإنترنت بقدر ما نحتاج إلى بطءٍ متعمد أمام الفتنة، وتأن أمام القرار، وصبرٍ أمام الرغبة.

    فلنجعل من رمضان نقطة انطلاق؛

    نقلل ساعات العبث، نضاعف ساعات الذكر، نعيد للكتاب مكانته، وللجلسة العائلية دفئها، وللكلمة وزنها.

    رمضان ليس شهرا نغير فيه جدولنا فقط، بل نعيد فيه صياغة أنفسنا.

    فإن خرجنا منه كما دخلناه، فقد ضاعت الفرصة.

    وإن خرجنا منه أقوى إرادة، أصدق نية، أصفى قلبا.. فقد فزنا.

    اللهم ربي فينا إرادة لا تنكسر، ونفوسا لا تستعبد إلا لك، وقلوبا لا تشتتها الفتن.

    اللهم اجعل رمضاننا هذا بداية إصلاح حقيقى،واحفظ مصرنا الغالية، وأدم عليها الأمن والأمان، ووحّد صفوف أهلها، واحفظنا جميعا من كل سوء.

    وإلى لقاء جديد فى المقال الثالث من سلسلة

    «رمضان… حين يعود القلب إلى الحياة»

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة: "رمضان..حين يعود القلب إلى الحياة"..رمضان وتربية الإرادة.. كيف نصنع إنسانا لا تهزمه الشهوات ولا تشتته الشاشات؟ (2/30) Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top