قبل أن
أسرد تفاصيل هذه القصة، أود أن أوضح الدافع وراء إطلاق هذه السلسلة من مواضيع
الحكمة. السبب الأول هو ما لمسته وعاينته بنفسي من تفشي الظلم في مجتمعنا بصور
بشعة وغريبة، وهي ظاهرة لا تخفى على بصركم بالتأكيد. أما السبب الثاني، فيعود إلى
موقف حدث معي قبيل شهر رمضان المبارك، حين كنت ألقي محاضرة في الجامعة التكنولوجية
لطلبة الماجستير والدكتوراه، فباغتني أحد الطلبة بسؤال: "دكتور أحمد، ما هي
الحكمة التي تؤمن بها وتتخذها شعارا؟".
كان ردي
حاضرا: "إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك". لقد
استوقفتني هذه الحكمة طويلا، وقررت حينها أن أحولها إلى سلسلة مقالات تبحث في
معانيها العميقة. والآن، ننتقل إلى القصة. هذه الواقعة مررت بها شخصيا في زمن
النظام السابق، حيث قام أحد الرفاق الحزبيين بكتابة تقرير كيدي ضدي، لا لذنب
اقترفته، بل رغبة منه في التسلق الوظيفي والترفع الحزبي على حسابي. كان ظلما في
غاية القسوة، إذ كانت تهمته كفيلة بأن تودي بي إلى السجن المؤبد أو الإعدام. لكن،
وبفضل الله وتوفيقه، ثم بفضل مكانة عائلتي المرموقة وسمعتنا المعروفة بالثقافة
والدين، تمكنا من تلافي الموقف ولم يصبني مكروه، والحمد لله رب العالمين. بعد سقوط
النظام، بدأت مرحلة "تصفية الحسابات". رأيت الكثير من المظلومين لم
يتركوا أمرهم لله، بل آثروا أخذ حقوقهم بأيديهم؛ فمنهم من قتل ظالمه، ومنهم من
ابتزه ماليا مقابل العفو عنه. أما أنا، فقد التقيت بذلك الرجل الذي ظلمني، ورأيت
الخوف والتردد في عينيه، فقلت له بوضوح: "لا تخف، لن آخذ حقي منك بيدي، بل
سأتركه لله، فهو القادر على استرداد المظالم". وقلت: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وفعلا، لم يمض وقت طويل حتى بدأت عدالة السماء تظهر. أصيب الرجل بارتفاع مفاجئ
وحاد في السكر أدى إلى تورم شديد في قدميه، وفقد القدرة على السير، فأصبح مقعدا
على كرسي متحرك. كان يجلس أمام بيته عاجزا والذباب يتجمع على قدميه، وبقي في هذا
العذاب نحو سنتين حتى توفي. وأقسم بالله أنني لا أقول هذا شماتة بأحد، بل هي آية
للجميع بأن لا فرار للظالم من الحكم الرباني مهما طال الزمن، "وسيعلم الذين
ظلموا أي منقلب ينقلبون". المدهش في الأمر، أنني لاحظت في الأيام الحالية أن
كل من يحاول ظلمي وأقول في وجهه "حسبنا الله ونعم الوكيل"، يأتيني خبره
بعد فترة وجيزة؛ فإما حادث سيارة أدى لإعاقته، أو جلطة دماغية، أو حتى الوفاة. حتى
غدوت أخشى على الناس من قول هذه الكلمة، خوفا عليهم من تلك النهايات المفجعة. أخي
القارئ الكريم، اعلم يقينا أن الله لا يرد دعوة المظلوم، حتى لو كان كافرا أو
عاصيا أو من أي دين أو معتقد كان. فالعدالة الإلهية لا تميز بين البشر في الحقوق
الإنسانية، والله لا يظلم العباد، وكل نفس ستنال جزاءها العادل.
قال
تعالى: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال
حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين".
إن سهام
الليل لا تخطئ ولكن لها أمد، وللظلم نهاية مهما تجبر أصحابه في الأرض. فليراجع كل
منا نفسه قبل أن يقع في فخ القدرة الزائفة، فالله وحده هو القوي الجبار الذي لا
يضيع عنده حق، ولا يغفل عن تظلم المكسورين. فقدرة الله محيطة بالظالمين مهما علا
شأنهم أو تواروا خلف مناصبهم. وليعلم أن "العدالة الإلهية" لا تعترف
بالحدود ولا بالانتماءات، بل تنصر المظلوم بصدق وجعه لا بنوع دينه. فيا أيها
الظالم، تذكر أن دوام الحال من المحال، وأن الأيام دول، ومن استقوى بظلمه على ضعيف،
سلب الله منه عافيته وقوته في ساعة لا ينفع فيها الندم. الله وحده هو القوي الجبار
الذي لا يضيع عنده حق، ولا يغفل عن أنين المكسورين، وكفى بالله نصيراً وحسيباً.
22 \ 2
\ 2026
---------------
شعر
قدرة الله
والظالم
إذا ما
دعتك القدرة اليوم جاهلا
لظلم
عباد الله.. فاخش العواقبا
تذكر
بأن الله أعلى وقدرة
تذل
عتاة الأرض لو جاء حاسبا
أرى
الظلم في هذي البرية مفجعا
فسطرت
آيات الحكيم مجاوبا
أتاني
طلوب العلم يسأل حكمتي
فقلت: اتق
الجبار واذكر مصائبا
فكم من
رفيق في الزمان تجبرا
أراد
اغتيالي كيد زور وكاذبا
يريد
علوا في المناصب خسة
ولم يدر
أن الله يرصد خائبا
نجوت
بفضل الله والذكر ناصرا
وعاد لي
المظلوم بالحق راغبا
فلم آخذ
الحق القديم براحتي
تركت
لرب العرش ثأرا وغالبا
فصار
ذليل الكرسي يندب حظه
وبات
طريد السقم للعيش عائبا
أخي لا
تظن الظلم يمضي بساطة
دعاء
يتيم يقلب الكون لاهبا
فلا فرق
عند الله في حق خلقه
أكانوا
حيارى.. أم بعيدا وغاربا
موازين
قسط سوف تنصب حتمها
ويلقى
الظلوم غدا جزاء مواكبا

0 comments:
إرسال تعليق