كأن المقصود
هو عكس ما يقال بالضبط ، فكل الاتفاقات التى أعلن عنها لوقف النار فى لبنان ، تحولت
تلقائيا وبسلاسة إلى عتبات لفتح النار ، ولم يكد الرئيس الامريكى "دونالد ترامب"
يضع "تويتة" عن وقف النار على موقعه الخاص "تروث سوشيال" ، ولم
يكد الناس يفرغون من متابعة ما كتبه موقع "أكسيوس" الأمريكى الصهيونى وثيق
الصلات بالبيت الأبيض ، ويراجعون بشغف قصة خناقة "ترامب" مع "بنيامين
نتنياهو" رئيس وزراء العدو "الإسرائيلى"، ووصف "ترامب" لمجرم
الحرب "نتنياهو" بأنه "مجنون لعين" و"ناكر للجميل" الأمريكى
، ولتدخل "ترامب" لإنقاذه من السجن ، وغيرها من التفاصيل الدرامية ، التى
أوحت للقراء بجدية الوساطة الأمريكية ، التى لم تفض عمليا إلا إلى استمرار الحرب "الإسرائيلية"
على لبنان بوتيرة أعنف ، وبالذات فى قرى وبلدات الجنوب اللبنانى ، وبما أوحى بصحة كلام
"نتنياهو" ووزير حربه "إسرائيل كاتس" ، الذى أكد اتفاق "ترامب"
و"نتنياهو" فى ثلاث مكالمات بما فيها تلك الصاخبة على تأجيل لا إلغاء قصف
"إسرائيلى" مدمر كان مزمعا على العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية ، ليس بسبب
نوبة "إنسانية" انتابت "ترامب" ، بل بسبب تحذيرات إيرانية صريحة
بتجميد المفاوضات مع واشنطن ، وبتجهيزات فعلية جرت لاستئناف إطلاق الصواريخ الباليستية
المرعبة على المستعمرات والمدن "الإسرائيلية" فى شمال فلسطين المحتلة ، وفهم
"ترامب" كما فهم "نتنياهو" ، أن التهديد الإيرانى جدى تماما ،
وإن أرادا حرف التجاوب فى صورة مبادرة من الحلف "الأمريكى ـ الإسرائيلى"
المندمج استراتيجيا ، وإلى حد زعم فيه "ترامب" كذبا كالعادة ، أنه أجرى مفاوضات
مع "ممثلين رفيعى المستوى" عن "حزب الله" ، واتفق مع "إسرائيل"
و"حزب الله" على وقف تبادل الضربات ، ولأن ما بنى على باطل فهو الباطل ،
فقد كانت النتيجة المرئية ، أن هجمات "إسرائيل" لم تتوقف ، ولا توقفت عمليات
"حزب الله" ، فالمقاومة اللبنانية لا تصدق "ترامب" ولا "نتنياهو"
طبعا .
وظاهرة تحول اتفاقات وقف النار إلى اتفاقات لفتح
النار ليست جديدة ، لا فى لبنان ولا فى فلسطين ، فقبل شهور طويلة ، جرى الإعلان عن
بدء تنفيذ ما تسمى "خطة ترامب" للسلام فى "غزة" ، وفى احتفال شهده
قادة بالعشرات فى منتجع "شرم الشيخ" ، وقيل أن الخطة من ثلاث مراحل ، لم
ينفذ كيان الاحتلال شيئا مهما من استحقاقات المرحلة الأولى ، اللهم إلا التظاهر بإنسحاب
صورى إلى ما وراء ما أسمى "الخط الأصفر" ، أى الاحتفاظ بمساحة 53% من قطاع
غزة ، زادها الاحتلال فيما بعد إلى 60% من مساحة القطاع ، ثم زادها أخيرا إلى نحو 70%
، ولم يلتزم الاحتلال بتسهيل دخول شاحنات المساعدات المتفق عليها ، ولم تزد نسبة دخول
المساعدات فى أى وقت على 20% من المطلوب ، ثم أعلن عن تشكيل ما يسمى "مجلس السلام"
برئاسة ترامب ، وعن تمويل بعشرات مليارات الدولارات حصل عليها "مجلس ترامب"
، ثم جرى الإعلان فجأة عن الدخول إلى المرحلة الثانية ، ودونما تذكير بتراجع قوات الاحتلال
"الإسرائيلى" من "الخط الأصفر" إلى "الخط الأحمر" الأقرب
إلى حدود "غزة" مع الكيان ، وكل ما جرى الإلحاح عليه هو نزع سلاح "حماس"
وأخواتها من حركات المقاومة الفلسطينية ، وعدم السماح بدخول وتمكين اللجنة الوطنية
الفلسطينية المتفق عليها لإدارة قطاع "غزة" ، ودون أن تتوقف اختراقات "إسرائيل"
يوما واحدا لاتفاق وقف إطلاق النار الأصلى المعلن فى 11 أكتوبر 2025 ، وبلغ عدد الاختراقات
"الإسرائيلية" ما يجاوز الثلاثة آلاف خرق ، ارتقى فيها نحو الألف شهيد فلسطينى
جديد ، وأضعافهم من المصابين والجرحى ، وتوالت عمليات اغتيال العدو لقادة من "حماس"
وجناحها العسكرى "كتائب عز الدين القسام" ، ودون أن ينطق "ترامب"
ولا إدارته بكلمة تأنيب واحدة لإسرائيل التى تدمر خطته المزعومة على عوراتها .
وكما جرى فى "غزة" ، جرى مثله فى الضفة
الغربية ، التى ادعى "ترامب" أنه يعارض خطة "إسرائيل" بضمها نهائيا
، ولم تتوقف خطط الاستيلاء والاستيطان والضم يوما واحدا ، ولا حتى سعى "إسرائيل"
لتفكيك سلطة رام الله الفلسطينية المسالمة ، والتجهيز لإصدار قانون من الكنيست "الإسرائيلى"
بإلغاء اتفاقات "أوسلو" كلها ، وكل ذلك دون أن تنطق إدارة "ترامب"
بكلمة ولا بهمهمة اعتراض ، وهو ذات ما يجرى فى جنوب سوريا ، التى لا يريد حكمها الحالى
محاربة "إسرائيل" ولا مقاومتها ، بعد أن احتلت من جنوب سوريا ما يساوى ضعف
مساحة "غزة" ، وأضافتها إلى احتلالها المتصل للجولان السورى ، وكل ذلك دون
أن تنطق إدارة "ترامب" بحرف اعتراض ، ولو من باب عدم إحراج الرئيس السورى
"أحمد الشرع" ، الذى قال "ترامب" أنه وضعه فى حكم دمشق (!) ، ومن
سوريا إلى لبنان ، تسرى ذات الحالة وبعدوان يومى أعنف ، وبسياسة الأرض المحروقة ، وإخلاء
الجنوب اللبنانى من سكانه ، ودونما توقف عند عديد اتفاقات وقف النار ، التى بدأت باتفاق
وقف العمليات العدائية فى 27 نوفمبر 2024 ، وبذات الرعاية الأمريكية المريبة ، ورغم
التزام "حزب الله" بوقف إطلاق النار طوال 15 شهرا ، نفذت "إسرائيل"
خلالها عشرات الآلاف من الاعتداءات والاغتيالات ، واصلتها بعد قرار "حزب الله"
استئناف الرد على العدوان فى 2 مارس 2026 ، وتحدثت "إسرائيل" عن مناطق آمنة
وخطوط صفراء وحمراء فى جنوب لبنان ، تقدمت بها أخيرا إلى شمال "نهر الليطانى"
، وتباهت بإعادة احتلال قلعة "الشقيف" التاريخية الأثرية ، ذات القلعة التى
تباهى الجنرال شارون باحتلالها فى اجتياح 1982 ، ودون أن يؤدى ذلك إلى توقف عمليات
"حزب الله" ، ولا إلى نجاح "إسرائيل" فى التصدى لطائرات "حزب
الله" المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية ، ولا إلى الحد من تساقط ضباطها وجنودها
المذعورين فى جنوب لبنان ، وبالذات بعد عودة "حزب الله" إلى إطلاق صواريخه
على مستعمرات ومدن الشمال الفلسطينى المحتل .
والحالة الراهنة ببساطة ، وبعيدا عن أوهام التسويات
الأمنية ووقف إطلاق النار دون انسحاب للعدو ، أن إسرائيل أضافت إلى وجودها الاحتلالى
مساحة تزيد على الألف كيلومتر مربع من"غزة" وجنوب سوريا وجنوب لبنان ، وأن
حروبها العدوانية الإبادية تظل غير منتهية ، والسبب أن الحروب غير المتناظرة التى جرت
على مدى أكثر من ثلاثين شهرا مضت ، بدا فيها العدو كطرف أقوى بامتياز ما توافر من سلاح
وتكنولوجيا وقدرة جنونية على تدمير البشر والحجر والشجر وكل صور الحياة ، لكن كيان
الاحتلال لم ينتصر أبدا ، ولا حقق أهدافه ، ولا استطاع القضاء على حركات المقاومة من
نوع مختلف ، التى واصلت حضورها المقتدر رغم الخراب المحيط ، وواصلت إبداع تكتيكات قتال
جديدة ، لن يكون آخرها طائرات "أبابيل" المسيرة التى صنعها "حزب الله"
، إضافة إلى صواريخ اختراق الدروع وتدمير الدبابات والجرافات ، والعودة إلى أساليب
حرب العصابات وهجمات الاستنزاف ، وبوسائل تقنية متطورة هذه المرة ، وكل تلك العناصر
والتحولات توحى باستنتاج يبدو أكيدا ، هو أن الحرب تظل غير منتهية وقابلة للتجدد فى
المدى المنظور ، فالعدو لا ينتصر ولا يحقق أهدافه ، والمقاومة من نوع مختلف لا تهزم
أبدا ، ولا تترك الميدان ، ولا تسلم سلاحها لا فى فلسطين ولا فى لبنان ، ولا حتى فى
إيران الذاهبة حثيثا إلى حرب أوسع .
والمفاوضات الإيرانية الأمريكية جارية لا تزال
، لكنها على الأغلب ، ليست مرشحة للوصول إلى نقطة لقاء ولا إلى مذكرة تفاهم نهائى
، فالأهداف متعارضة جذريا ، وأحاديث "ترامب " التى لا تنقطع عن التفاوض
، وعن رغبته حتى فى لقاء المرشد الإيرانى الجديد "مجتبى خامنئى" ، لن تجد
غالبا صدى كبيرا عند النظام الإيرانى الأكثر تماسكا وتصميما وجرأة ، ويشجعه نجاحه فى
الصمود المذهل خلال حرب الأربعين يوما ، ثم تطوير استعداده القتالى خلال مدد لاحقة
من وقف إطلاق نار معلن ومثقوب ، تخللته اشتباكات متواترة حول مضيق هرمز بالذات ، واعترافات
أمريكية متوالية بخسارة "ترامب" فى الحرب ، فبعد تقرير "سى . إن . إن"
الشهير المصور عن ضربات إيران الناجحة فى 16 قاعدة أمريكية عبر ثمانى دول ، خرجت محطة
"بى . بى . سى" البريطانية بتحقيق مزود بصور الأقمار الصناعية ، يرصد الدمار
الواسع الذى أحدثته هجمات إيران الصاروخية فى 20 قاعدة وموقعا عسكريا أمريكيا بالمنطقة
، وهو ما قد يوحى بأن استئناف الحرب ، لن يضر بإيران بقدر ما يوقع خسائر مضافة ثقيلة
بالعدو الأمريكى "الإسرائيلى" ، وبالذات مع تقارير اعتراف المخابرات الأمريكية
بنجاح إيران فى الاحتفاظ بأغلب قوتها فى مدن الصواريخ بباطن الجبال ، ومع تقارير أمريكية
بحصول إيران على وسائل دفاع جوى أحدث من الصين وروسيا ، وهو ما قد يوحى بذهاب المنطقة
إلى حرب أوسع ، وربما على كل الجبهات ، بما فيها لبنان واليمن و"غزة" مجددا
.
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق