هناك فرق
شاسع بين من يصنع التاريخ..ومن يكتبه بعد انتهائه، وبين من يحمل الوطن فوق كتفيه..
ومن يحمل ثمار الوطن إلى جيبه.
وفي كل عام،
ومع حلول ذكرى الثلاثين من يونيو، يخرج علينا من يوزعون أوسمة البطولة على أنفسهم،
ويتحدثون وكأنهم كانوا وحدهم أصحاب الثورة، بينما يغيب عن المشهد رجال ونساء وشباب
دفعوا الثمن الحقيقي، ولم يحصلوا إلا على شرف المحاولة، وصدق الانتماء، ونظافة اليد.
اليوم لا
أكتب بحثا عن بطولة، ولا انتظارا لتقدير، فالتاريخ لا يحتاج إلى شهادة من المنتفعين،
وإنما يحتاج إلى من يملك ضميرا يحترم الحقيقة.
أكتب لأن
ذاكرة الوطن لا يجوز أن تزوّر، ولأن الأجيال القادمة، وخاصة جيل "زد"، من
حقها أن تعرف أن هناك رجالا حملوا أرواحهم على أكفهم، قبل أن تتحول الثورة إلى مناسبة
يتسابق الجميع لالتقاط الصور فيها.
أكتب عن
أبناء التيار الشعبي المصري، وتحديدا في محافظة الدقهلية، الذين كانوا جزءا من الحراك
الوطني قبل الثلاثين من يونيو، وتحركوا في الشوارع والميادين، وشاركوا في جمع استمارات
تمرد، مؤمنين بأن مصر تستحق أن تنقذ، لا أن تباع.
أتذكر جيدا
لحظة تدشين التيار الشعبي بمعهد الكبد بشربين، في حضور الوطني الكبير الأستاذ الدكتور
جمال شيحة، الذي كان يؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن مصر لا تبنى إلا بأبنائها
المخلصين. ومنذ تلك اللحظة بدأ العمل الحقيقي، بعيدا عن الكاميرات، وبعيدا عن الباحثين
عن الأضواء.
استأجرنا
مقرين متجاورين بشارع قناة السويس بجوار ميدان المحافظة؛ أحدهما لجريدة الزمان المصري،
والآخر للتيار الشعبي. يومها لم يكن أحد يسأل؛ ماذا سنجني؟ بل كان السؤال الوحيد؛ ماذا
يمكن أن نقدم لهذا الوطن؟
تعرض المقر
للاقتحام، وتعرضنا للاعتداء، وعشنا أياما كانت فيها أرواحنا مهددة، وأُقيم داخل المقر
مستشفى ميداني بقيادة الدكتورة دعاء زكريا، لاستقبال المصابين. وكان شباب الجامعات
من أبناء التيار في مقدمة الصفوف، يواجهون العنف بإيمانهم بوطنهم وإصرارهم على حماية
جامعاتهم وشوارعهم.
كنا نتحرك
لأننا نحب مصر، لا لأننا نبحث عن منصب. وكنا نؤمن بأن الوطن لا يباع في سوق السياسة،
ولا تقاس قيمته بعدد المقاعد أو المناصب.
ثم جاءت
الثلاثون من يونيو.. وانتصرت إرادة المصريين.
لكن، وبعد
أن هدأت المعركة، ظهر من لم يكن في الصفوف الأولى، وأصبح يتحدث باسم الثورة، بينما
اختفى أصحاب المواقف، وعادوا إلى أعمالهم، وإلى بيوتهم، وإلى خدمة الناس، كما كانوا
دائما.
هذه ليست
شكوى، وإنما شهادة للتاريخ.
رحم الله
من رحل من رفاق الطريق، ورحم كل من ضحى من أجل هذا الوطن، وحفظ الله من بقي منهم، فما
زالوا بين الناس، يقتسمون مع البسطاء كسرة الخبز وهموم الحياة، بينما يحصد غيرهم ثمارًا
لم يزرعوها.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛إن
أعظم ما يمكن أن نقدمه لمصر، ليس أن نزور تاريخها، بل أن نحكيه كما كان.
ولهذا أقول
لكل شاب من أبناء هذا الوطن ؛اقرأ التاريخ من أفواه الذين دفعوا ثمنه، لا من الذين
ورثوا مجده.
تحية لكل
أبناء التيار الشعبي المصري في أنحاء الجمهورية، وتحية خاصة لأبناء الدقهلية، الذين
بلغ عددهم آنذاك نحو 250 ألف عضو، وكانوا نموذجا في الوطنية والعمل والتضحية.
قد يغيب
الاسم..وقد يغيب التكريم.. لكن المواقف لا تموت، والتاريخ الحقيقي لا يسقط بالتقادم.
عاشت مصر..وعاش
شعبها.. والمجد دائما للثوار الحقيقيين.

0 comments:
إرسال تعليق