• اخر الاخبار

    الأحد، 21 يونيو 2026

    التراث الديني بين الخطابة والرثاء..قراءة نقدية في قصيدة « على سيرة عقائدنا » للشاعرة الدكتورة أحلام الحسن..بقلم: د. سيد فاروق

     


     

    تقوم قصيدة «على سيرة عقائدنا - تراثي » على بنيةٍ خطابيةٍ تستلهم الذاكرة الدينية بوصفها فضاءً رمزيًا مفتوحًا على الحاضر، فلا تتعامل الشاعرة الدكتورة أحلام الحسن مع واقعة الطف بوصفها حدثًا تاريخيًا منغلقًا في زمنه، وإنما تعيد إنتاجه شعريًا بوصفه نسقًا ثقافيًا وأخلاقيًا متجددًا، تتقاطع فيه ثنائية الحق والباطل، والعدل والظلم، والوفاء والغدر. ومن ثمّ، تتجاوز القصيدة حدود الرثاء التقليدي إلى أفقٍ أرحب يتداخل فيه الإنشاد الوجداني مع الخطاب الاحتجاجي، لتصبح القصيدة فعلًا تأويليًا يعيد تشكيل الوعي الجمعي عبر استدعاء الرموز المؤسسة للضمير الإنساني.

    تستهل الشاعرة نصها بإشارة زمنية ذات حمولة دلالية كثيفة، فتقول:

    > هلَّ المحرّمُ يَعلو لونَهُ حدثُ

    يُبدو الهلالُ كأنّ الدّمعَ يُبتعثُ

    إنّ شهر المحرم هنا لا يُقدَّم بوصفه إطارًا زمنيًا فحسب، بل يتحول إلى علامة سيميائية تختزن ذاكرة الألم الجمعي. فالهلال، الذي ارتبط عادةً بالبدايات والبشارات، يغدو مشبعًا بالحزن، وكأنّه يستدعي دموع التاريخ من مكامنها. إنها مفارقة جمالية تجعل من الزمن نفسه كائنًا نائحًا، ومن المشهد الكوني شاهدًا على الفاجعة.

    وتعزز الشاعرة هذا التوظيف الرمزي حين تربط بين الحدث التاريخي والوجدان المعاصر بقولها:

    > تُصغي النفوسُ بما كانت بهِ عَزمَتْ

    ما بالصّدورِ سوادٌ كم بهِ نفثوا

    فالنفوس هنا ليست متلقية للحدث فحسب، بل شريكة في استعادته وتأويله. أما «السواد» فلا يُحيل إلى الحزن الظاهري وحده، بل إلى تراكمات القهر والخذلان التي نفثتها القرون في صدور المؤمنين بقيم العدالة والحق.

    الخطابة الشعرية واستراتيجية المواجهة

    ******************

    تتجلى النزعة الخطابية في القصيدة عبر حضور ضمير المخاطب، وصيغ الأمر، والاستفهام الإنكاري، مما يمنح النص إيقاعًا تعبويًا يقترب من المنبر الحسيني بوصفه مؤسسة ثقافية وجمالية في آنٍ واحد. تقول الشاعرة:

    > قل للأعاديْ لئن هبّت عواصفُكم

    نحنُ الأُسودُ وفي جَمعٌ لكم خَبَثُ

    إنّ فعل الأمر «قل» لا يؤدي وظيفة لغوية عابرة، بل يتحول إلى أداة مقاومة وإعلان موقف. كما أن صورة «الأسود» تستدعي مخزونًا تراثيًا من معاني الشجاعة والثبات، في مقابل توصيف الآخر بوصفه مصدرًا للخبث والانحراف.

    ثم تواصل الشاعرة بناء خطابها الاحتجاجي قائلة:

    > فالخيلُ والسّيفُ في البيداءِ شاهدةٌ

    والرّيحُ إن عصفرت تمحو لما حرثوا

    هنا تستنطق الشاعرة عناصر المشهد التراثي؛ فالخيل والسيف والريح ليست مجرد مفردات وصفية، بل شواهد رمزية على استمرار معركة القيم عبر الزمن. فالطبيعة ذاتها تنحاز إلى الحق، وتمارس دورها في محو آثار الظالمين.

    وفي ذروة التوتر الدرامي، تستدعي الشاعرة شخصيات الحدث التاريخي لا بوصفها أسماءً جامدة، بل بوصفها نماذج أخلاقية متقابلة:

    > شمّر ذراعكَ يا شِمر الخنا طلبًا

    واكشف لثامَكَ عن وجهٍ بهِ شَعَثُ

    > لا لا يزيدُ فليس النّصرَ تُدركُهُ

    عارًا سَتَجني لعُمرٍ كلّهُ رَهَثُ

    إنّ توظيف شخصيتي شمر ويزيد يتجاوز الإحالة التاريخية إلى بناء نسق رمزي دائم، حيث يتحول كل ظالم إلى امتدادٍ ليزيد، وكل خذلان إلى إعادة إنتاج لمشهد كربلاء.

    جمالية الرثاء وتحويل المأساة إلى وعي

    ***************,

    لا تكتفي الشاعرة بتسجيل الحزن، بل تحوّله إلى طاقة معرفية قادرة على إعادة تشكيل الوعي. ففي لحظة فارقة من النص تقول:

    > قَتلَ الحُسينِ فَهَيهاتَ الذي وُعَدوا

    إنّ الحُسينَ حياةٌ، أينَ ما بَحَثوا؟!

    تكمن قوة هذا البيت في المفارقة الدلالية التي تجعل من الموت حياةً، ومن الشهادة فعلًا وجوديًا يتجاوز حدود الجسد. فالحسين هنا ليس شخصية تاريخية، بل قيمة مطلقة ورمز خالد للحرية والكرامة.

    وتتعمق هذه الرؤية حين تخاطب الشاعرة الطغيان بلهجة استشرافية:

    > عدّد ذنوبكَ لن تُحصي لها عددًا

    إنّ الذّنوبَ إذا زادت ستنبعثُ

    إنّ الفعل «ستنبعث» يحمل أبعادًا أخلاقية ودينية، إذ يؤكد أنّ الجرائم لا تموت بالتقادم، وأنّ الذاكرة الجمعية قادرة على استدعائها ومحاسبتها باستمرار.

    أما خاتمة النص، فتأتي محملة بطاقة دعائية تتماهى مع الخطاب القرآني في بنيته الإيقاعية ودلالاته:

    > تبّت يداكَ التي في النّارِ موقدُها

    ضجّ الجميعُ ومن بالنّارِ قد بُعِثوا

    يتجلى هنا التناص مع سورة المسد بوصفه استدعاءً لسلطة النص المقدس، بما يمنح القصيدة بعدًا إقناعيًا وروحيًا مضاعفًا.

    لقد نجحت الدكتورة أحلام الحسن في بناء قصيدة تتكئ على التراث دون أن تستسلم لسطوته، وتستحضر الرثاء دون أن تقع في فخ البكائيات التقليدية. فجاء النص مزيجًا من الشعر والخطابة، ومن الحزن والاحتجاج، ومن الذاكرة والرؤية المستقبلية.

    إنها قصيدة تؤكد أن التراث الديني ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو إعادة إنتاج للمعنى في ضوء أسئلة الحاضر، وأنّ كربلاء لم تكن حادثة عابرة في سجل التاريخ، بل نصًا مفتوحًا على التأويل، يتجدد كلما تجدد الصراع بين الحق والباطل.

    ومن هنا، تتجاوز القصيدة حدود المناسبة لتغدو خطابًا إنسانيًا شاملًا، يرسخ فكرة أن الرثاء الحقيقي لا يكتفي بالبكاء على الضحية، بل يستنهض الضمير الجمعي كي لا تتكرر المأساة، وأن الشعر حين يتكئ على الذاكرة الدينية يصبح أكثر قدرة على صناعة الوعي، وتحويل الألم إلى موقف، والدمعة إلى بصيرة.

    شكرا جزيلا للشاعرة الأديبة الأستاذة الدكتورة الموقرة أحلام الحسن على هذه القصيدة الماتعة المائزة الفريدة.

    تقديري الدائم 🌹🌺

    ****************

    د.سيد فاروق

    النص:

    " على سيرة عقائدنا "

    هلَّ المحرّمُ يََعلو لونَهُ حدثُ

    يُبدو الهلالُ كأنّ الدّمعَ يُبتَعَثُ

     تُصغي النٌفوسُ بما كانت بهِ عَزمَت

     ما بالصّدورِ سوَادٌ كم بهِ نفثوا

    قد كنتَ فيهم صَدى المختارِ مِئذَنةً

    لا لم تُبالِ إذا ما القومُ قد نَكثوا

    قل للأعاديْ لئن هبّت عواصفُكم

    نحنُ الأُسودُ وفي جَمعٌ لكم خَبَثُ

     فالخيلُ والسّيفُ في البيداءِ شاهدةٌ

    والرّيحُ إن عَصفَرَت تمحو لما حرثوا

    لا حَقّق اللهُ في أحلامهم رشَدًا

    سُلّت سيوفٌ ومِن أغمادِها ورثوا

    قَتلَ الحُسينِ فَهَيهاتَ الذي وُعَدوا

     إنّ الحُسينَ حياةٌ ، أينَ ما بَحَثوا ؟!

    شمّر ذراعكَ يا شِمر الخنا طلبًا

     واكشف لثامَكَ عن وجهٍ بهِ شَعَثُ

    ﻻ ﻻ يزيدُ فليس النّصرَ تُدركُهُ

    عارًا سَتَجني لعُمرٍ كلّهُ رَهَثُ

    هدّدتَهُ قتلةً ما مثلها حَصَلَت

    فاجمع جنودكَ يا فرعونُ وابتعِثوا

     عدّد ذنوبكَ لن تُحصي لها عددًا

    إنّ الذّنوبَ إذا زادت ستنبعثُ

    منكَ الرّوائحُ ، والدّخّانُ مُعتَرَكٌ

    صُكّت أنوفٌ إذا ما فاحَتِ الجُثثُ

    تبّت يداكَ التي في النّارِ موقدُها

    ضجّ الجميعُ ومن بالنّارِ قد بُعِثوا

    ا====================

    أ.د.أحلام الحسن

     الثلاثاء 1 محرم 1448 - 16 يونيو 2016

    البحر البسيط

    عنوان القصيدة : تراثي

    عظّم اللهُ أجر رسول الله وآله الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم ،وعظّّم الله أجوركم، وتقبّل عزاءكم بأحسن القبول،  وحشركم مع كوكبة الحسين يوم الحشر الأكبر عليهم سلام اللهِ ورضوانه .

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: التراث الديني بين الخطابة والرثاء..قراءة نقدية في قصيدة « على سيرة عقائدنا » للشاعرة الدكتورة أحلام الحسن..بقلم: د. سيد فاروق Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top