تمر الأعوام.. لكن بعض الأيام لا تمر، تظل واقفة في القلب كجبل من وجع، يعيد نفسه كلما أقبلت ذكرى الرحيل. وما أقسى أن يكون الراحل (أما)، وأن يكون البيت بعدها مجرد جدران فقدت دفئها.
في ذلك اليوم، كان الوجع لا يفتأ يتركها. كانت تقاوم الألم بصبر الأمهات، ذلك الصبر الذي يخفي الدموع حتى لا يراها الأبناء، ويبتسم رغم أن القلب ينزف.
نادتني..
كان في صوتها شيء لم أعهده، شيء يشبه الوداع، لكنني كنت أرفض أن أقرأه.
دنوت منها، فمدت ذراعيها المرتجفتين، ولفتهما حول رقبتي كما كانت تفعل وأنا طفل أخاف ظلام الليل. يومها، كنت أنا الذي يخاف.. لكنها كانت هي التي تطمئنني.
همست بصوت خافت، يكاد يختلط بأنفاسها الأخيرة؛
"احضنّي.."
احتضنتها..
احتضنت عمري كله، وذكرياتي كلها، وطفولتي كلها، وكل دعوة خرجت من قلبها وهي ترفع يديها إلى السماء من أجلي.
احتضنتها بكل ما أملك من حب، وبكل ما أعجز عن قوله من كلمات.
شعرت بأنفاسها تهدأ شيئا فشيئا.. وارتسمت على وجهها سكينة لم أرها منذ زمن.
ثم..
راحت في سبات عميق..
سبات لم تصحُ منه بعد ذلك أبدا.
ومنذ تلك اللحظة، وأنا أعيش على بقايا ذلك الحضن الأخير. كلما ضاقت بي الدنيا، أبحث عن ذراعيها فلا أجد سوى الفراغ، وأفتش عن صوتها فلا أسمع إلا صدى الذكريات.
رحلت أمي..لكن الأمهات لا يرحلن تماما. يبقين في الدعاء الذي نحفظه عنهن، وفي رائحة البيوت، وفي تفاصيل الأيام، وفي دمعة تختبئ كلما ذكر اسمهن.
ما زلت كلما مررت بالمكان الذي شهد لحظاتها الأخيرة، أشعر أن الزمن توقف هناك، عند تلك الكلمة الوحيدة التي ما زالت تسكن قلبي؛
"احضنّي.."
كانت تطلب حضنا لدقائق.. وتركتني أفتقد حضنها إلى آخر العمر.
رحمكِ الله يا أمي، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأبدلك دارا خيرا من دارك، وأهلا خيرا من أهلك. وسيبقى قلب ابنك، مهما كبر، طفلا يبحث عنك في كل صباح، ويشتاق إليك في كل مساء، حتى يجمعنا الله في مستقر رحمته، حيث لا فراق بعد اليوم

0 comments:
إرسال تعليق