لا أحد يختلف
على أن فوز منتخب مصر يبعث الفرحة في القلوب، فحين يرتدي اللاعبون القميص الوطني تصبح
الألوان أكثر من مجرد ألوان، وتصبح الكرة أكثر من مجرد لعبة، ويصبح الانتصار رسالة
فرح إلى ملايين المصريين الذين يبحثون في زحام الحياة عن لحظة بهجة تجمعهم على كلمة
واحدة" مصر".
لكن السؤال
الذي يفرض نفسه بعد الفوز على نيوزيلندا وحصد أربع نقاط في دور المجموعات؛ هل كانت
الفرحة بحجم الإنجاز؟ أم أن الضجيج كان أكبر من الحدث نفسه؟
نعم، حقق
المنتخب أول انتصار له في مشاركاته الأربع بالبطولة على مدار تاريخه، وهذه حقيقة تستحق
التقدير. ونعم، جمع أربع نقاط ووضع نفسه في موقف جيد، وهذا أمر إيجابي. لكن كرة القدم
لا تقرأ بالعواطف وحدها، وإنما بالميزان الدقيق الذي يضع كل شيء في حجمه الطبيعي.
فالفوز على
نيوزيلندا ليس معجزة كروية، ولا فتحا مبينا في تاريخ اللعبة. إنه انتصار على منتخب
يؤدي ما عليه ويجتهد بما يملك من إمكانات، بينما مصر تمتلك تاريخا وإمكانات وجماهيرية
تجعل الفوز أمرا متوقعا لا استثنائيا.
المشكلة
لم تكن في الفرحة، فالفرحة حق مشروع، بل في حالة المبالغة التي صاحبتها. فجأة تحول
الأمر في بعض المنابر الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه الاحتفال بإنجاز
كوني، وكأن المنتخب عاد بالكأس لا بانتصار في دور المجموعات.
ولأننا أمة
تعشق المبالغة أحيانا، خرجت بعض الأصوات تتحدث عن الإعجاز الكروي، بينما الحقيقة أن
الطريق ما زال طويلا، وأن المنتخبات الكبيرة تقاس بما تحققه من بطولات، لا بما تحققه
من عناوين عاطفية.
المشهد الأكثر
إزعاجا لم يكن داخل الملعب، بل خارجه. حين تحولت بعض البرامج الرياضية إلى ساحات للتهليل،
واستبدلت التحليل بالنشوة، والنقد بالتصفيق، وأصبح الضيف أحيانا لا علاقة له باللعبة
إلا من باب القرابة أو الصداقة أو المجاملة. وكأن الكرة المصرية ينقصها الخبراء حتى
نلجأ إلى من لا يعرف من المستطيل الأخضر إلا أنه أخضر اللون!
والحقيقة
أن هذا الانتصار، إن كان له بطل يستحق الإنصاف، فهو جيل كامل من اللاعبين الذين تحملوا
الضغوط، وعلى رأسهم الأسطورة المصرية والعربية محمد صلاح. ذلك اللاعب الذي تعرض لهجوم
قاس كلما تعثرت الكرة المصرية، وكأن نجاح المنتخب أو فشله معلق بقدم لاعب واحد. واليوم
يتحدث البعض عن الإنجاز ذاته الذي كانوا يشككون في إمكانية تحقيقه قبل أيام قليلة.
ومن الإنصاف
أيضا أن نعترف بأن المنتخبات تتقدم بالعمل لا بالشعارات. انظروا إلى التجارب الناجحة
حول العالم، وإلى ما حققه الأشقاء في المغرب من بناء منظومة رياضية متكاملة أوصلتهم
إلى آفاق لم تكن حلما بعيدا فحسب، بل أصبحت واقعا يدرسه الجميع.
أما نحن
فما زلنا أحيانا نحتفل بالمحطة الأولى وكأننا وصلنا إلى نهاية الطريق.
ليس المطلوب
أن نكف عن الفرح، بل أن نحسن الفرح. أن نفرح بالانتصار دون أن نحوله إلى أسطورة. أن
ندعم المنتخب دون أن نغلق باب النقد. أن نشجع اللاعبين دون أن نصنع أوهاما أكبر من
الواقع.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛
مصر أكبر من أن تكتفي بانتصار عابر، وأعظم من أن يكون سقف أحلامها مجرد تجاوز دور مجموعات
هنا أو هناك. مصر التي أنجبت مواهب لا تحصى تستحق أن تمتلك مشروعا كرويا حقيقيا، يستحقه
شعب يعشق الكرة كما يعشق الوطن.
فلنفرح..نعم.
ولكن لنجعل
فرحتنا خطوة نحو المستقبل، لا ستارا يحجب عنا عيوب الحاضر.
فالأمم لا
تصنع المجد بالتصفيق وحده، وإنما بالعمل، والمراجعة، والصدق مع النفس.
ويا أهل
الكرة في مصر.. استقيموا يرحمكم الله.

0 comments:
إرسال تعليق