مع بداية السنة المالية الجديدة وهى فى الأول من يوليو 2026،
سيصبح سعر رغيف الخبز المدعوم جنيها ونصف الجنيه. خبر قد يمر عند البعض مرور العابرين،
لكنه عند ملايين البسطاء ليس مجرد رقم جديد في دفتر الأسعار، بل محطة جديدة في رحلة
طويلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها مصر على مدار عقود.
وبهذه المناسبة، أتوجه إلى كل كارهي جمال عبد الناصر، وأقول
لهم؛سامحوا الرجل على أخطائه..فقد أوشكنا على تصحيحها جميعا..!!
فكانت أكبر "أخطاء" عبد الناصر أنه نظر إلى الفقير
باعتباره إنسانا كاملا له حقوق، لا مجرد رقم في كشوف الإعانات أو بند في الموازنة العامة.
كان يرى أن رغيف الخبز ليس سلعة تخضع فقط لحسابات الربح والخسارة، بل هو عنوان للاستقرار
الاجتماعي وحق من حقوق المواطنة. لذلك ثبت أسعار السلع الأساسية، وحمى قوت البسطاء
من تقلبات الأسواق.
واليوم ننتقل إلى منظومة الدعم النقدي الجديدة، ونودع الدعم
العيني تدريجيا، في تجربة تراهن على كفاءة السوق وقدرة المواطن على تدبير احتياجاته
بنفسه، بينما يخشى آخرون أن تتحول هذه الخطوة إلى بداية انسحاب الدولة من أحد أهم أدوارها
التاريخية في حماية الفئات الأكثر احتياجا.
فيا كارهة الزعيم ..اكتب إليكم ما أنتم مؤمنون به وأسير على
درب هواكم ؛وازيدكم كرها علىى كره للرجل؛ فكان من ضمن "أخطائه" أيضا أنه
آمن بأن العقل المصري هو الثروة الحقيقية للوطن. فجعل التعليم مجانيا من المدرسة حتى
الجامعة، وفتح أبواب المعرفة أمام أبناء الفلاحين والعمال ..وأرسل البعثات العلمية
إلى الخارج على نفقة الدولة.
والمدهش ؛احفادهم بيسبوا الزعيم مع كل مناسبة ويكأن أجدادهم
كان لديهم كنوز قارون وليسوا إجراء عند الملك وحاشيته - ما علينا
أما اليوم، فقد أصبح التعليم الجيد في كثير من الأحيان مرتبطا
بالقدرة المالية، وأصبحت المصروفات والرسوم والدروس والبرامج الخاصة جزءا من معادلة
الحصول على فرصة أفضل في الحياة. وكأننا نقول للفقراء؛التعليم حق لكم..ولكن بشروط..
بكالوريا ولا ثانوية..آه يا بلد!!
ومن أخطائه التي لا تغتفر ايضا؛ أنه اعتقد أن الأرض لمن يزرعها.
فصدر قانون الإصلاح الزراعي ليعيد توزيع الملكية ويمنح آلاف الفلاحين فرصة للحياة الكريمة.
كان يريد أن يكسر احتكار الأرض كما كسر احتكار السلطة الاقتصادية.
أما الآن، فقد تغيرت الأولويات، وأصبحت المشروعات الكبرى
والاستثمارات الضخمة هي العنوان الرئيسي للمشهد، بينما تراجع الحديث عن الفلاح البسيط
الذي كان يوما محور مشروع العدالة الاجتماعية.
وكان الرجل مؤمنا بأن المصنع أقوى من الزيادة السكانية، وأن
التنمية الحقيقية تبدأ من خطوط الإنتاج لا من مكاتب الاستيراد. لذلك أقام المصانع الثقيلة
ومجمعات الحديد والصلب والغزل والنسيج والألومنيوم، معتقدا أن الصناعة هي الطريق إلى
الاستقلال الوطني.
ثم جاءت سنوات الخصخصة والتحولات الاقتصادية، فاختفى كثير
من هذه القلاع أو تراجع دورها، وتحولت مصر من دولة تنتج الكثير مما تحتاجه إلى دولة
تستورد الكثير مما تستهلكه.
ومن "أخطائه" الكبرى أيضا؛ أنه تصور أن ثروات الوطن
يجب أن تبقى في يد الوطن. فأمم قناة السويس، وأمم البنوك وشركات التأمين، وأقام قطاعا
عاما ضخما وفر ملايين فرص العمل.
أما الآن، فإن لغة السوق والاستثمار والطرح في البورصة أصبحت
هي السائدة، وأصبح القطاع الخاص اللاعب الأكبر في قطاعات عديدة، بينما انحسر دور الدولة
المنتج لصالح الدولة المنظم والمراقب.
وكان عبد الناصر يظن أن للعامل كرامة يجب أن تصان، فحدد ساعات
العمل، وأقام منظومة التأمينات الاجتماعية والمعاشات، ورفع من مكانة العامل في المجتمع.
وكان يعتقد أن السكن حق، فبنى المساكن الشعبية، وأن العلاج
حق، فأنشأ المستشفيات الحكومية والوحدات الصحية، وأن الانتقال إلى العمل حق، فجعل النقل
العام في متناول الجميع.
وربما كان أكبر أخطائه على الإطلاق أنه حلم بمجتمع تقل فيه
الفوارق بين الناس، مجتمع لا يشعر فيه الفقير بأنه مواطن من الدرجة الثانية، ولا يتحول
فيه المال إلى المعيار الوحيد للقيمة الإنسانية.
لقد اختلف الناس حول عبد الناصر، واختلف المؤرخون حول تجربته،
وانتقده كثيرون في السياسة والاقتصاد والحريات، وربما أصابوا في بعض ما قالوا. لكن
ما لا يختلف عليه منصف هو أن الرجل حمل مشروعا واضحا للعدالة الاجتماعية، وجعل الفقير
حاضرا في قلب الدولة لا على هامشها.
واليوم، ونحن نتابع التحولات الكبرى في منظومة الدعم، وارتفاع
الأسعار، واتساع الفجوة بين الدخول ومتطلبات الحياة، يحق لنا أن نتساءل؛ هل كانت كل
تلك "الأخطاء" أخطاء حقا؟ أم أنها كانت محاولة صادقة لبناء مجتمع أكثر عدلا
وإنصافا؟
قد يختلف الناس حول الزعيم الراحل، لكن الفقراء الذين وجدوا
في عهده بابا مفتوحا للتعليم والعلاج والعمل والسكن، سيظلون ينظرون إلى تلك المرحلة
باعتبارها زمنا حاول فيه الوطن أن يكون سندا لهم لا عبئا عليهم.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ يا سادة ؛سامحوا جمال عبد الناصر
على أخطائه.. فقد كانت، في نظر البسطاء، أخطاء ارتكبت من أجل الفقير.

0 comments:
إرسال تعليق