مع إشراقة عام
هجري جديد، تتجدد في وجدان المسلمين ذكرى عظيمة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان،
بل كانت ميلاد أمة، وبناء حضارة، ورسم طريق للبشرية جمعاء. إنها ذكرى هجرة سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ذلك الحدث الذي غيّر مجرى
التاريخ وأقام دولة العدل والرحمة والإنسانية.
الهجرة النبوية
لم تكن فرارا من واقع، بل كانت انتقالا من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة البناء، ومن ضيق
الأرض إلى سعة الرسالة. لذلك اختار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تكون
بداية التاريخ الإسلامي من هذا الحدث الجليل، لأنه يمثل نقطة تحول فارقة في حياة الأمة.
لقد علمتنا الهجرة
أن الإيمان لا يعرف المستحيل، وأن التخطيط لا يتعارض مع التوكل على الله. فقد أخذ النبي
صلى الله عليه وسلم بكل الأسباب، واختار الرفيق الأمين، وحدد الطريق، وأخفى الأثر،
ثم ترك قلبه معلقا بالله عز وجل.
وفى مقالى هذا
أتطرق إلى مشهد خالد من مشاهد الوفاء والصداقة، تتجلى عظمة الصديق رضي الله عنه، الذي
صاحب النبي في رحلة الهجرة، وقدم روحه وماله وكل ما يملك نصرة لدين الله. ويكفي أن
يخلد القرآن الكريم هذا الموقف بقوله تعالى "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا".
إنها صداقة لم
تبنها المصالح، ولم تجمعها المنافع العابرة، بل وحدها الإيمان والمحبة في الله. وفي
زمن أصبحت فيه الصداقات تقاس أحيانا بحجم المكاسب، تظل صداقة النبي وأبي بكر نموذجا
إنسانيا خالداً للأخوة والوفاء.
كما تقف الأمة
إجلالا أمام مشهد آخر وهو بطولة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي نام في
فراش النبي ليلة الهجرة معرضا نفسه للخطر، ليحمي رسول الله ويمنح الدعوة فرصة الاستمرار.
إنها التضحية في أسمى صورها، حين يقدم الإنسان نفسه فداء لقضية يؤمن بها.
واليوم، ونحن
نستقبل عاما هجريا جديدا، تبدو الأمة العربية في أمس الحاجة إلى استلهام دروس الهجرة.
فما أشبه حالنا بحال العرب قبل أن يجمعهم الإسلام تحت راية واحدة، بعد أن كانوا قبائل
متفرقة تتنازعها العصبيات والخلافات.
لقد قال الله
تعالى"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا"..وقال
سبحانه"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ".
إن ما تمر به
الأمة العربية من تحديات وأزمات وصراعات يجعل الحاجة ملحة إلى إحياء معاني الوحدة والتكاتف
والتضامن. فالقومية العربية في جوهرها ليست تعصبا أو إقصاء للآخر، وإنما هي رابطة تاريخ
ولغة ومصير مشترك، تزداد قوة حين تستند إلى القيم الإسلامية التي تدعو إلى التعاون
والعدل والتراحم.
لقد كانت المدينة
المنورة أول نموذج عملي للوحدة الإنسانية؛ حيث آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين
والأنصار، وأسقط الفوارق بين الناس، وجعل معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح.
وفي زمن تتكالب
فيه التحديات على أوطاننا، وتزداد فيه محاولات بث الفرقة واليأس، تظل الهجرة النبوية
رسالة أمل متجددة تقول لنا إن الأزمات مهما اشتدت يمكن تجاوزها بالإيمان والعمل والوحدة.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول
؛ مع بداية هذا العام الهجري الجديد، نسأل الله أن يجعل أيام الأمة العربية والإسلامية
أمنا واستقرارا، وأن يوحد صفوفها، ويجمع كلمتها على الحق، وأن يرزق أبناءها الحكمة
والبصيرة، وأن يجعل من ذكرى الهجرة منارة نهتدي بها نحو مستقبل أكثر إشراقا.
كل عام والأمة
العربية والإسلامية بخير، وكل عام وقيم الوفاء والتضحية والوحدة والمحبة أكثر حضورا
في حياتنا، حتى نستحق أن نكون امتدادا حقيقيا لجيل الهجرة الذي صنع التاريخ وغير وجه
الدنيا.

0 comments:
إرسال تعليق