• اخر الاخبار

    السبت، 6 يونيو 2026

    احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:جمال عبد الناصر.. لماذا يرتعبون من رجل رحل منذ نصف قرن..؟!

     


     

    ما إن يطل شهر يونيو من كل عام، حتى تخرج علينا نفس الوجوه، ونفس الأصوات، ونفس الأسطوانات المشروخة، لتعيد الهجوم على الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وكأن الرجل ما زال يجلس فى قصر الرئاسة يدير شئون البلاد، لا أنه غادر الدنيا منذ أكثر من خمسة عقود.

    والسؤال الذى يفرض نفسه؛لماذا كل هذا العداء لرجل مات جسدا وما زال حيا فى وجدان الملايين؟

    العجيب أن كثيرا ممن يهاجمون عبد الناصر اليوم لا يعرفون شيئا عن مصر التى كانت قبله، ولا عن الوطن الذى استلمه عام 1952. يتحدثون عن الحرية وكأنها كانت متاحة للفلاح والعامل، وعن الديمقراطية وكأن أبوابها كانت مفتوحة لأبناء الفقراء، بينما الحقيقة التى يعرفها التاريخ أن مصر الملكية كانت بلدا تحكمه طبقة محدودة من كبار الملاك والإقطاعيين، وكانت الأغلبية الساحقة من الشعب تعيش على هامش الحياة.

    كان الفلاح يزرع الأرض ولا يملك منها شبرا، ويشقى طوال عمره ليحصد غيره الثمار. وكانت السلطة والنفوذ والثروة حكرا على قلة قليلة، بينما الملايين لا يملكون إلا العرق والكدح والصبر.

    ثم جاء عبد الناصر حاملا مشروعا لم يكن مشروع فرد، بل مشروع أمة كاملة. حلم بأن تكون مصر سيدة قرارها، مستقلة الإرادة، قوية الجيش، مجانية التعليم، متاحة الفرصة لأبناء البسطاء كى يصبحوا أطباء ومهندسين وقضاة وضباطا ووزراء.

    لذلك لم يكن غريبا أن يتحول ابن العامل إلى طبيب، وابن الفلاح إلى أستاذ جامعة، وابن الغلبان إلى قائد فى الجيش. لقد فتح أبواب الصعود الاجتماعى أمام ملايين المصريين الذين كانوا محرومين حتى من الحلم.

    أما الذين لا يذكرون من تاريخ عبد الناصر إلا يونيو 1967، فإنهم يتعمدون قراءة صفحة واحدة من كتاب كامل.

    نعم، كانت هزيمة عسكرية قاسية ومؤلمة، ولا ينكرها إلا مكابر. لكن الأمم العظيمة لا تقاس بلحظة انكسار، وإنما تقاس بكيفية النهوض بعدها.

    لقد خرج عبد الناصر يوم التاسع من يونيو متحملا المسئولية أمام شعبه، وأعلن تنحيه فى مشهد نادر فى تاريخ الحكام. لكن ما حدث بعد ذلك كان استفتاء شعبيا حقيقيا لم تشهد له المنطقة مثيلا؛ إذ خرجت الجماهير بالملايين فى شوارع مصر والعالم العربى مطالبة ببقائه.

    لم يخرج الناس خوفا من بطش، ولا طمعا فى مكسب، بل خرجوا لأنهم رأوا فيه تجسيدا لحلمهم الوطنى والقومى.

    وهنا تكمن المفارقة الكبرى التى يتجاهلها خصومه.

    فإذا كانت إسرائيل قد انتصرت عسكريا فى يونيو، فإنها فشلت فى كسر الإرادة السياسية للشعب المصرى والأمة العربية. وإذا كانت الجيوش قد تراجعت، فإن الجماهير لم تتراجع عن مشروعها الوطنى.

    ولهذا بدأ عبد الناصر فورا إعادة بناء القوات المسلحة، وخاض حرب الاستنزاف التى اعترف قادة إسرائيل أنفسهم بأنها كانت من أعنف وأخطر الحروب التى واجهوها، وكانت الأساس الحقيقى الذى مهد لعبور أكتوبر العظيم.

    أما الذين يتطاولون على الرجل اليوم، فهم فى الغالب لا يناقشون تجربة تاريخية بموضوعية، بل يحاكمون الماضى بعقلية الحاضر، أو يكررون اتهامات محفوظة دون قراءة أو دراسة.

    فالتاريخ لا يكتب بالكراهية، ولا يمحى بالصراخ، ولا تلغى الرموز الوطنية بحملات موسمية تتجدد كل يونيو.

    لقد اختلف الناس مع عبد الناصر فى حياته، وسيختلفون معه بعد رحيله، وهذا حق مشروع. لكن الفارق كبير بين النقد الموضوعى وبين محاولة اغتيال التاريخ.

    وجمال عبد الناصر ليس مجرد رئيس حكم مصر، بل مرحلة كاملة من تاريخ الأمة العربية، ورمز للتحرر الوطنى والاستقلال والكرامة الإنسانية فى وجدان الملايين من المحيط إلى الخليج.

    وربما لهذا السبب بالذات ما زال يزعج خصومه حتى اليوم.

    #فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛لقد رحل الجسد فى سبتمبر 1970، لكن الفكرة لم ترحل، والحلم لم يمت، والاسم لم يغب.

    فما زال عبد الناصر حاضرا فى كل حديث عن العدالة الاجتماعية، وفى كل نقاش عن الكرامة الوطنية، وفى كل حلم بمشروع قومى يعيد للأمة مكانتها.

    وهكذا يبقى المشهد مدهشا؛ رجل غادر الدنيا منذ أكثر من نصف قرن، وما زال خصومه يحاربونه، وما زال محبوه يدافعون عنه، وما زال اسمه يثير الجدل.

    وتلك وحدها شهادة تاريخية على أن جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس مر من هنا، بل كان ظاهرة صنعت زمنا كاملا، وما زالت حية بيننا رغم مرور السنين.

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:جمال عبد الناصر.. لماذا يرتعبون من رجل رحل منذ نصف قرن..؟! Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top