• اخر الاخبار

    الأربعاء، 10 يونيو 2026

    الدكتور كاظم جمعه الغزي يكتب عن : الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود.. سيرة عقلٍ اقتصادي عراقي جمع بين العلم والمسؤولية.

     


     

    في تاريخ العراق الحديث، تبرز أسماءٌ أكاديمية استطاعت أن تجمع بين الفكر العميق والخبرة العملية، وأن تترك بصمة واضحة في مسيرة الاقتصاد والإدارة والتعليم. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود، الذي مثّل نموذجاً للأستاذ الجامعي والمفكر الاقتصادي والمسؤول الحكومي الذي سخّر علمه لخدمة بلده، فكان حضوره العلمي والإداري امتداداً لمسيرة طويلة من الاجتهاد والبحث والرؤية الوطنية.

    وُلد الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود عام 1937 في ناحية المجر الكبير بمحافظة ميسان، تلك البيئة الجنوبية التي أنجبت العديد من الكفاءات العلمية والثقافية. ومنذ سنواته الأولى أظهر ميولاً واضحة نحو الدراسة والمعرفة، الأمر الذي قاده إلى الالتحاق بكلية القانون في جامعة بغداد، لينال شهادة البكالوريوس عام 1959، قبل أن يواصل رحلته العلمية خارج العراق، حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد الدولي من الجامعات الألمانية عام 1966، وهي مرحلة شكلت نقطة تحول مهمة في مسيرته الفكرية والأكاديمية.

    بعد عودته إلى العراق، انخرط في العمل الأكاديمي بجامعة البصرة، ليبدأ مشواراً طويلاً في التدريس والبحث العلمي امتد من عام 1967 حتى عام 1987. وخلال تلك السنوات لم يكن مجرد أستاذ جامعي يؤدي واجبه التقليدي، بل كان شخصية علمية فاعلة أسهمت في تطوير الدراسات الاقتصادية في العراق، لما امتلكه من رؤية تحليلية وخبرة واسعة في الاقتصاد الدولي وقضايا التنمية.

    وقد تولى رئاسة قسم الاقتصاد في جامعة البصرة بين عامي 1969 و1971، وهي مرحلة شهدت نشاطاً أكاديمياً ملحوظاً، قبل أن يُكلّف بمنصب عميد كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة نفسها للفترة من 1971 إلى 1976، حيث أسهم في تعزيز البناء العلمي والإداري للكلية، وترك أثراً واضحاً في تطوير المناهج والبحث الأكاديمي.

    ولم تتوقف مسيرته عند حدود الجامعة، بل انتقل إلى ميدان المسؤولية الحكومية حين تولى منصب وزير الزراعة خلال الفترة من 1/9/2003 وحتى 1/6/2004، وهي مرحلة دقيقة من تاريخ العراق الحديث، تطلبت شخصيات تمتلك الخبرة والحكمة والقدرة على التعامل مع التحديات الاقتصادية والإدارية في ظروف استثنائية.

    أما على صعيد التأليف والبحث العلمي، فقد أغنى الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود المكتبة العربية بعدد من المؤلفات المهمة التي تناولت قضايا الاقتصاد الدولي والتنمية والسياسة الاقتصادية والاجتماعية. ومن أبرز مؤلفاته كتابه المعروف “أزمة النقد الدولي في النظام الرأسمالي” الصادر عام 1979، إضافة إلى كتاب “البلدان وتجربة التطور والواقع الراهن والعلاقات مع أقطار الخليج العربي” الذي صدر عن مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة عام 1985.

    كما أصدر كتابه “عندما كنت وزيراً”، الذي طُبع في عمّان عام 2007، ثم أعيدت طباعته عام 2010، وقد حظي هذا الكتاب باهتمام واسع تُرجم على أثره إلى اللغة الألمانية ونُشر هناك، كما تُرجم إلى اللغة الإنكليزية وصدر في الولايات المتحدة الأمريكية، في دلالة واضحة على القيمة الفكرية والتوثيقية التي حملها هذا العمل.

    ومن مؤلفاته الأخرى كتاب “دراسات في الاقتصاد الدولي.. آراء اقتصادية واجتماعية” الصادر عام 2011، وكتاب “أشخاص من العراق.. نظرة في السلوك والمقاصد” عام 2012، إضافة إلى كتاب “آراء للحوار” الذي صدر في بغداد عام 2016، فضلاً عن عشرات البحوث والدراسات التي تناولت قضايا الاقتصاد العراقي والدولي، ونُشرت في مجلات عراقية وعربية وألمانية.

    لقد مثّل الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود صورة للمثقف الأكاديمي الذي لم ينفصل عن قضايا مجتمعه ووطنه، فجمع بين التعليم والبحث والإدارة والعمل الحكومي، وترك إرثاً فكرياً واقتصادياً يستحق التقدير والاهتمام. وإن الحديث عن هذه الشخصيات العلمية ليس مجرد استذكار لسيرتها، بل هو احتفاء بالعقول العراقية التي صنعت المعرفة وأسهمت في بناء مؤسسات الدولة والفكر.

    وسيظل اسم الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود حاضراً في ذاكرة الأوساط الأكاديمية والاقتصادية العراقية، بوصفه واحداً من أبناء ميسان الذين رفعوا اسم مدينتهم والعراق في ميادين العلم والفكر والإدارة، وتركوا للأجيال درساً في الإخلاص للعلم والوطن.

     

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الدكتور كاظم جمعه الغزي يكتب عن : الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود.. سيرة عقلٍ اقتصادي عراقي جمع بين العلم والمسؤولية. Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top