لم يكن سمير صبري مجردَ فنانٍ خفيفِ الظلِّ مرَّ على الشاشةِ ثم انطفأ، بل كان حكايةَ إنسانٍ آمن بالحياة حتى آخر المشوار، وفهم مبكرًا أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في حجم الضوء الذي يقف تحته، بل في قدرته على البقاء نقيًّا رغم تقلُّبات الضوء.
وُلد في
بيتٍ ميسور، وتعلَّم في مدارس الصفوة، وعاش قريبًا من أبناء الملوك والمشاهير، لكنَّ
قلبه منذ البداية كان منحازًا إلى حلمٍ آخر؛ حلم الفن. لم يخجل يومًا من البدايات الصغيرة،
ولم يعتبر الوقوف صامتًا في خلفية مشهدٍ إهانةً لكبريائه. كان يعرف أن الطريق الطويل
لا يُقطع بالقفز، بل بالصبر.
ظهر كومبارسًا
في زمن الأبيض والأسود، ووقف خلف العمالقة متأملًا، لا حاقدًا. تعلَّم اللغة، وعمل
مذيعًا، وطرق أبواب السينما والتلفزيون والمسرح والغناء والاستعراض، كأنَّه كان يرفض
أن يُهزم من بابٍ ما دام في الحياة أبوابٌ أخرى.
وربما كانت
عبقريته الحقيقية أنه لم يدخل معركةً ضد أحد.
في وسطٍ
يضجُّ بالصراعات والغيرة والخذلان، ظلَّ محتفظًا بخفَّة روحه، لا يطعن أحدًا، ولا يشتكي
من أحد، ولا يقدِّم نفسه ضحيةً للعالم. وحين مُنع من الظهور في التلفزيون وهو في ذروة
نجاحه، اختار الصمت النبيل بدل الضجيج، ومضى يبحث عن نافذةٍ جديدةٍ للحياة، كأنَّه
كان يؤمن أن الإنسان الحقيقي لا تسقطه العواصف، بل تعلِّمه كيف يغيِّر اتجاه الشراع.
لم يكن يرى
الفنَّ سلطةً ولا وجاهة، بل صحبةً إنسانيةً واسعة. لذلك بقي وفيًّا للمنسيين، قريبًا
من المتعبين، يزور المرضى، ويسأل عن الغائبين، ويجبر خواطر الذين أطفأتهم الشهرة بعدما
صفَّقت لهم طويلًا. كان يعرف قسوة العزلة، لذلك حاول دائمًا أن يكون يدًا دافئةً في
حياة الآخرين.
وحين تقدَّم
العمر، لم يتحوَّل إلى رجلٍ غاضبٍ من الزمن، بل بقي طفلًا أنيقًا يحب الموسيقى والناس
والضحكة الخفيفة. تقبَّل أن البطولة ليست دائمًا في اسمٍ يتصدَّر الأفيش، بل قد تكون
في إنسانٍ يعرف كيف يظلُّ محبوبًا دون أن يؤذي أحدًا.
لهذا بدا
رحيله مختلفًا.
فالناس لم
تبكِ فنانًا فقط، بل بكت روحًا خفيفةً عبرت بينهم دون أن تترك ندبةً في قلب أحد.
لقد علَّمنا
سمير صبري درسًا نادرًا:
أن النجاح
ليس أن تصل أولًا، بل أن تصل دون أن تفقد إنسانيتك.

0 comments:
إرسال تعليق