لم يكن الشهيد محمد زرد رجلًا ذهب إلى الحرب،
بل كان روحًا
مصريةً صعدت إلى موعدها الكبير.
كأنّ الله
حين أراد أن يكتب بعضَ آيات النصر على ضفاف القناة، اختار لهذا الوطن رجالًا من طينةٍ
أخرى؛ رجالًا تمشي الأرض تحت أقدامهم خاشعةً، وتميلُ لهم البنادقُ احترامًا، لأنهم
لا يقاتلون طلبًا للمجد، بل لأن في قلوبهم سرًّا خفيًّا اسمه: مصر.
في قريةٍ
هادئةٍ من ريف الغربية، خرج الطفل الذي كان يشبه سنابل القمح حين تنحني امتلاءً لا
ضعفًا. تعلّم مبكرًا أن التراب الذي نطؤه ليس ترابًا عابرًا، بل أثرُ الأنبياء، وعرقُ
الفلاحين، ودمُ الشهداء. وكان يشعر — دون أن يقول — أن الله يخبّئ له طريقًا يمرّ من
النار إلى الخلود.
كبر محمد
زرد، فارتدى بزّة الجيش، لكنّ روحه ظلّت أقرب إلى المتصوفة منها إلى الجنود؛ كان يؤمن
أن الإنسان لا يبلغ تمامه إلا إذا صار قلبه معلقًا بشيءٍ أكبر من نفسه. ولهذا، حين
أصيب، لم يرضَ بالعافية البعيدة عن الجبهة، لأن بعض الأرواح إذا ذاقت معنى الرسالة،
لا تستطيع الرجوع إلى حياةٍ عادية.
ثم جاء أكتوبر…
فانشقّ الزمن.
وصارت السماء
أقرب إلى الأرض من أي وقتٍ مضى.
وكانت النقطة
الحصينة 149 جدارًا من نار وحديد، لكنّ الشهيد لم يرَ فيها إلا بابًا يجب أن يُفتح
لكي تعبر مصر إلى مستقبلها. تقدّم وسط الرصاص كأنّه يمشي إلى صلاةٍ طويلة، لا إلى معركة.
كانت القذائف تتساقط، والدخان يملأ الأفق، بينما هو يضيء من الداخل بيقينٍ لا يُفسَّر.
هناك…
في اللحظة
التي يخاف فيها البشر من الموت، كان محمد زرد قد تجاوز الخوف كلّه.
أصيب.
نزف.
لكنّ الذين
رأوه قالوا إنّه لم ينكسر.
كان كأنّه
شجرةُ نورٍ تُقطع أغصانها وتظلّ واقفة.
وحين ضاقت
اللحظة بين الحياة والشهادة، لم يقل: أنقذوني… بل قال لجنوده:
«عدّوا من
فوقي… كمّلوا تطهير النقطة»
وكأنّه لم
يكن يسلّمهم موقعًا عسكريًّا، بل كان يسلّمهم الأمانة نفسها؛ أمانة الوطن الذي لا يجوز
أن يسقط.
ثم ارتفع
العلم المصري.
وفي اللحظة
التي صعد فيها العلم، كانت روح محمد زرد تصعد أيضًا… أخفَّ من الدم، وأبقى من الجسد.
لهذا لا
يُذكَر الشهيد محمد زرد كبطل حربٍ فقط، بل كواحدٍ من أولئك الذين تتحول أرواحهم إلى
قناديل في ذاكرة الأمة. كلما أظلمت الطرق، تذكّر الناس أن هناك رجالًا مرّوا من هنا،
وأضاءوا الطريق بأجسادهم.
إنه لم يمت.
فالذين يموتون
حقًّا هم الذين عاشوا لأنفسهم فقط.
أما الذين
ذابوا في أوطانهم حتى صاروا جزءًا من ترابها ونيلها وراياتها…
فهؤلاء تبقى
أرواحهم معلّقةً فوق البلاد، تحرسها من السقوط.

0 comments:
إرسال تعليق