كتب: محمد فتحى السباعى
ثمة رجالٌ
يمرّون في الحياة مرورًا عابرًا، وثمة رجالٌ يبدون وكأنهم خُلقوا من مادةٍ أخرى. وحين
يُذكر اسم ، لا يتبادر إلى الذهن مجرد نجم سينمائي وسيم ملأ الشاشة حضورًا وجاذبية،
بل إنسانٌ عاش حياةً متناقضة، صاخبة، مدهشة، وانتهت كما لو كانت الفصل الأخير من رواية
كتبها القدر بنفسه.
على الشاشة
كان فارسًا لا يُهزم، عاشقًا تلاحقه النساء وتطارده الأضواء، لكن خلف ذلك الوجه الذي
حفظته الجماهير، كانت حياة أخرى أقل بريقًا وأكثر وجعًا.
وُلد رشدي
سعيد بغدادي أباظة في الثالث من أغسطس عام 1926، لواحدة من أعرق العائلات المصرية ذات
الجذور الشركسية. كان والده ضابطًا كبيرًا في الشرطة، بينما جاءت والدته من أصول إيطالية،
فاجتمع في ملامحه الشرق والغرب، واجتمع في شخصيته التمرد والأناقة والحرية.
تلقى تعليمه
في المدارس الأجنبية، وأتقن الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية، وكان الجميع
يرسمون له مستقبلًا تقليديًا يليق بابن عائلة الأباظة؛ ضابطًا أو طيارًا أو مسؤولًا
كبيرًا. لكنه فاجأ الجميع بقرار بدا آنذاك أشبه بالثورة: رفض أن يكمل الطريق الذي رسمه
الآخرون له.
اختار أن
يكتب مصيره بنفسه.
حاول أولًا
أن يصبح تاجرًا، فافتتح محلًا لقطع غيار السيارات بدعم من والدته التي آمنت بحقه في
اختيار حياته. لكن المشروع انهار سريعًا، وكأن الأقدار كانت تدفعه نحو طريق آخر.
مارس الملاكمة
وكمال الأجسام، قبل أن يلتقطه المخرج الكبير
إلى عالم السينما، لتبدأ رحلة تحوّل الشاب المتمرد إلى أحد أكبر نجوم الشاشة
العربية.
لكن النجاح
لم يكن مجانيًا.
فقد دفع
ثمن اختياره من علاقته بأسرته. كان والده يرى العمل في السينما أمرًا لا يليق بمكانة
العائلة في ذلك الزمن، حتى إنه قاطعه ومنعه من دخول المنزل بعد أن علم بخبر مشاركته
السينمائية من إحدى الصحف.
وكانت شقيقاته
يعدن من مدارسهن باكيات بسبب تعليقات زميلاتهن، إلى أن اضطر أفراد العائلة لاحقًا إلى
دعوته لحضور مناسبة عائلية كبيرة ليشاهد الجميع بأعينهم أن النجم الذي تتحدث عنه مصر
هو بالفعل أحد أبناء تلك الأسرة العريقة.
لكن أكثر
فصول الحكاية غرابة لم تكن في حياته...
بل بعد رحيله.
كان رشدي
أباظة يفكر في الموت بهدوء غريب. قبل وفاته بعامين اشترى قبرًا في نزلة السمان، وأشرف
بنفسه على تجهيزه، رغم اعتراض والدته التي رأت في ذلك نذير شؤم.
كان يزور
قبره بانتظام.
نعم... قبره
هو.
وكأنه كان
يعقد مصالحة مبكرة مع النهاية.
بل إن المقربين
منه رووا أنه طلب إحضار الحناء لتوضع داخل المقبرة وفق عادة مصرية قديمة، قبل أن تتدخل
المصادفات الغريبة فتضيف فصلًا جديدًا إلى الحكاية.
وحين رحل
في 27 يوليو 1980، لم تنته قصته.
فقد نُقل
جثمانه أكثر من مرة.
دُفن أولًا
وفق وصيته، ثم فُتحت المقبرة بعد عام ونُقل إلى مزرعة في الإسكندرية تنفيذًا لرغبة
والدته، وبعد سنوات أُعيد نقله مرة أخرى بسبب بيع المزرعة.
حتى بعد
الموت ظل رشدي أباظة مسافرًا.
كأن الأرض
نفسها لم تستطع أن تحتفظ به في مكان واحد.
والأكثر
إثارة أن المقبرة فُتحت مجددًا بعد سنوات طويلة لدفن ابنته قسمت إلى جواره، رغم أنه
أوصى بألا يُدفن معه أحد.
كأن الأب
والابنة قررا في النهاية أن ينتصرا على المسافات والوصايا معًا.
أما الفصل
الأكثر قسوة فكان المرض.
في سنواته
الأخيرة دخل في معركة شرسة مع سرطان المخ. ومع ذلك لم يشأ أن يراه الناس ضعيفًا أو
منكسرًا. أخفى أوجاعه طويلًا، وواصل الوقوف أمام الكاميرا، وكأن الفن بالنسبة له لم
يكن مهنة بل طريقة للمقاومة.
كان يتألم
بصمت، ويبتسم أمام الجمهور.
كان المرض
ينهش جسده، بينما كان هو يمنح الآخرين الفرح.
حتى أفلامه
الأخيرة حملت شيئًا من المفارقة القدرية؛ ففيلم "الأقوياء" عُرض بعد رحيله،
وكأن العنوان نفسه كان شهادة أخيرة على رجل ظل قويًا حتى اللحظة الأخيرة.
رحل رشدي
أباظة عن عمر 53 عامًا فقط.
عمر قصير
بالنسبة للسنوات...
لكنه كان
طويلًا بما يكفي ليصنع أسطورة.
أسطورة رجل
عاش حرًا كما أراد، وأحب كما أراد، وتمرد كما أراد، ثم رحل تاركًا خلفه سؤالًا لا يزال
يتردد حتى اليوم:
هل كان رشدي
أباظة ممثلًا يؤدي دور البطل؟
أم كان بطلًا
حقيقيًا

0 comments:
إرسال تعليق