تندرج
هذه القصيدة ضمن نمطٍ شعريٍّ واعٍ يستثمر المرجعية الدينية لا بوصفها سردًا
تراثيًا جامدًا، بل باعتبارها طاقة رمزية مفتوحة على التأويل، وقادرة على مساءلة
الواقع المعاصر أخلاقيًا وإنسانيًا. فالشاعرة لا تستدعي قصة يوسف عليه السلام من
باب الحنين إلى النص المقدّس، وإنما تُعيد توظيفها ضمن بنية شعرية حديثة، يتجاور
فيها القصص القرآني مع مشاهد الخراب الإنساني الراهن، فيتحوّل النص إلى مرآة
مركّبة تعكس انكسار القيم وضياع البراءة.
منذ
الاشتباك الأول مع العنوان، بوصفة واجهة النص ومفتاحه الدلالي نواجه انزياحًا
دلاليًا لافتًا: «بين الذئب وزليخة ضاع يوسف يا يعقوب». فالمعروف في القصة
القرآنية أن الذئب كان ذريعة الكذب، وأن زليخة كانت فتنة الابتلاء، لكن الجمع
بينهما في صيغة واحدة يوحي بتوسيع دائرة الاتهام؛ إذ لم يعد الخطر محصورًا في
عدوٍّ ظاهر أو غواية فردية، بل في شبكة معقّدة من العنف، والكذب، والتبرير،
والتواطؤ. يوسف هنا يتحوّل من شخصية قصصية إلى رمز إنساني شامل: رمز للبراءة
المهدورة، وللحق الذي يُسحق بين أنياب القوة وشهوات النفوذ.
القصيدة،
من حيث بناؤها، تقوم على شعر التفعيلة، بما يمنحها مساحة انفعالية مرنة، قادرة على
احتواء الغضب، والمرارة، والنداء، والاحتجاج. هذا الإيقاع المتدارك يواكب توتّر
الرؤية، ويعكس تسارع الأحداث، وتراكم الفواجع، وكأن الزمن نفسه صار لاهثًا تحت
وطأة الكارثة.
سيميائيًا،
يهيمن الرمز الحيواني على النص: الذئب، الثعلب، الغربان، الحيتان. وهي رموز لا
تعمل بمعزل عن بعدها الأخلاقي؛ فالذئب يحيل إلى الافتراس المعلن، والثعلب إلى
المكر السياسي، والغربان إلى التكسّب من الموت، والحيتان إلى الانتحار الجماعي
العبثي. هذه الشبكة الرمزية تُنتج صورة عالمٍ فقد توازنه، حيث لم تعد الجرائم
استثناءً، بل صارت نظامًا، ولم يعد القتل فعلًا صادمًا، بل مشهدًا يوميًا تُدار
حوله المصانع، وتُفصَّل له الأكفان «بآخر صيحات الموضة».
وفي هذا
السياق، تتكئ الشاعرة على لغة كشف لا لغة مواربة؛ فهي تُعرّي الأقنعة: نظارات
سوداء، كمّامات، أصباغ ملوّنة. وكلها علامات على التزييف البصري والأخلاقي، حيث
يُعاد تشكيل الحقيقة بما يخدم القتلة، ويُطمس الضوء عن العيون «عنوَةً». هنا
يتجلّى البعد الديني في جوهره العميق: ليس طقسًا لغويًا، بل موقفًا أخلاقيًا يرفض
العمى القسري، ويدعو إلى استعادة البصيرة.
كما
يبرز البعد المأساوي في استدعاء شخصيات دينية أخرى: الحسين، يعقوب، يوسف، بما يخلق
توازيًا تاريخيًا بين مآسي الأنبياء وأحفادهم، ومآسي الإنسان المعاصر. الطفل
الأعزل الذي يُنادى باسم الحسين، ويوضع في «غيابة جب»، هو إعادة إنتاج رمزية لفكرة
الظلم المتكرر، وكأن التاريخ لم يتعلّم حكمته بعد. وهنا تتحوّل القصة الدينية إلى
أداة مساءلة حضارية: لماذا يتكرّر الضياع؟ ولماذا لا يعود القميص دليلًا على
الحقيقة، بل يصير موضع شكّ جديد؟
بلاغيًا،
تعتمد القصيدة على التكرار، والنداء، والاستفهام الاستنكاري، وهي أدوات تعمّق
البعد الخطابي دون أن تُفقد النص شاعريته. فالنداء «يا ذئب الليل»، و«يا طفل
الحسين»، لا يُراد به مخاطبة كائنات بعينها، بل استنهاض وعي القارئ، وإشراكه في
دائرة المسؤولية. أما الأسئلة الختامية حول القميص والصدّيق، فتفتح النص على أفق
أخلاقي مفتوح، لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطالب بالمحاسبة.
الاستخلاص
العام
***********
في
المحصّلة، تقدّم هذه القصيدة نموذجًا لافتًا لكيفية توظيف البعد الديني في الشعر
الحديث، بوصفه أفقًا للحكمة لا إطارًا وعظيًا. إنها قصيدة تستلهم القصة القرآنية
لتفكيك الحاضر، وتستدعي الرمز لتعرية الواقع، وتحوّل الشعر إلى فعل مقاومة معرفية
وأخلاقية. وبهذا المعنى، لا يكون يوسف هو الضائع وحده، بل المعنى ذاته، ما لم
نستعد شجاعة الرؤية، وننزع الأقنعة، ونواجه الذئب… في داخلنا قبل خارجه.
شكرا
جزيلا للشاعرة الأديبة القديرة المبدعة الراسخة أ.د أحلام الحسن على هذا النص
الماتع والإبداع الحقيقي الهادف.
تحياتي
الدائمة
***********
النص
" بين
الذٌئب وزُليخة ضاع يوسف يا يعقوب "
يا ذئبَ
الليل كفى جشعا
كَثُرَ
الكذبُ الضّامي وجعا
أُغمضت
أعينٌ عنوَةً
بل عمت
لا ضوءَ
تراهُ ولا نورًا
يا كفّ
الأقدارِ اعتدلي
سارعي
عاجلي وانزعي
واخلعي
عن تلك
الأحداقِ النّظّاراتِ
السًوداء
وعنِ
الأفوَاهِ الكمّامات
والأصباغِ
المتلوّنةِ
وانزعيها
قناعًا قناع
فهناك
فظاعاتُ القُلّب
وفُقاعاتٌ
تتقلّب -
عندَ
عوَاءِ الذّئبِ -
ومسكنةِ
الثّعلب
فكمينٌ
هنا وكمينٌ هناكَ -
وكم
مأرب
في
سباقٍ مع العاتيات
ساعةً
ساعةً
تحرقُ
الأجسادَ -
رمادًا
هنا وهناك
تتطاير
كالغربانِ السّوداء الّتي
حول
الجُثثِ الهامده
كانتحار
الحيتانِ الصّرعى
دونما
مخدع
فتُسارعُ
تلك المصانع
في صنعِ
الأكفان -
بآخر
صيحات الموضه
بأراضينا
المثكولةَ -
فجرًا ..
ظهرًا .. مساءً
شمالًا ..
جنوبًا وفي كلّ الأرجاءِ -
مئاتٌ
من ريش النّعّامِ تطايَر
دون
رجوع.
وبمسجد
كوفانَ الأقدم
والذي
مازلتَ تسامرُهُ
سيّدي
ظهر
الهرْج والمرجُ
حصدا
البشريّة والأرزاق
وأماتا
سنّتنا
وأثارا
فينا الفوضى والمِحَنَ السّائبه
لصناعة
أيتامٍِ عُزّل
وثُكالى
من نبلِ الحرمل.
يا طفلَ
الحسينِ الأعزل -
نم
بغيابةِ جُبّ ٍ قد أظلم
وكما قد
ضُيّعَ يوسفُ -
في بطنِ
الذّئبِ الضّاري
يا
أخوَةَ يوسفَ أينَ القميصَ -
ومن
منكم مَدّ أذرعَهُ
ورمى
الصّدّيق
قبلَ
قدّ زليخةَ من ؟!
ا__________________
من
الشعر الحرّ
تفعيلة
البحر المتدارك
ا______________________

0 comments:
إرسال تعليق