• اخر الاخبار

    الجمعة، 16 يناير 2026

    احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن: الإسراء والمعراج..حين تتحول المحن إلى منح

     


     

    ليست ذكرى الإسراء والمعراج مجرد محطة زمنية نحييها كل عام، ولا حكاية إعجازية تروى على سبيل التبرك فحسب، بل هي درس ممتد في فهم سنن الله في الابتلاء، ومعنى أن تكون المحنة في ظاهرها قسوة، وفي باطنها منحة إلهية عظيمة، لا يدرك حكمتها إلا من أحسن الظن بربه.

    جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد أن أثقلت الأحزان قلب سدنا النبى صلى الله عليه وسلم؛ عام سماه التاريخ عام الحزن، فقد فيه السند والرفيق "السيدة/خديجة رضي الله عنها، زوجته ومؤنسة وحدته، وأبو طالب، عمه ودرعه في وجه قريش". ضاق به أهل مكة، وأُغلقت الأبواب في وجه دعوته، حتى خرج إلى الطائف يلتمس نصرة، فعاد مثخن القلب والجسد، مطرودا بالحجارة، مكسور الخاطر، لكنه لم ينكسر الإيمان في صدره.

    وفي ذروة هذا الألم، جاء الفرج من السماء، وكأن الله يقول لعبده؛ إذا ضاقت بك الأرض، فالسموات مفتوحة لك. فكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم المعراج إلى السماوات العلى، تكريما بعد إيلام، وجبرا بعد كسر، ومنحة أعقبت محنة.

    قال تعالى "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى".

    لم يقل سبحانه "بنبيّه" ولا "برسوله"، بل قال "بعبده"، ليؤكد أن أعلى مراتب الكرامة هي العبودية الخالصة، وأن القرب من الله لا ينال إلا بالصبر واليقين.

    وفي هذه الرحلة المباركة، التقى سدنا النبي صلى الله عليه وسلم ..بإخوانه من أولي العزم من الرسل؛ موسى الذي ابتلي بفرعون، وإبراهيم الذي ألقي في النار، وعيسى الذي واجه التكذيب والافتراء، ونوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. جميعهم مروا بالمحن، لكن المحنة لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بوابة التمكين. وكأن الرسالة واحدة:ط؛ هذا طريق الحق.. محفوف بالابتلاء، معبد بالنصر لمن صبر.

    وهنا يلتقي الماضي بالحاضر. فما أشبه حال أمة الإسلام اليوم بما مر به نبيها في تلك المرحلة العصيبة؛ أوجاع تتكاثر، وأزمات تحيط، وتشويه للحقائق، وضعف في الهمم، وتيه في البوصلة. لكن ذكرى الإسراء والمعراج تهمس في آذاننا.. لا تيأسوا.. فبعد العسر يسر، وبعد الليل فجر.

    قال تعالى "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا".

    ومن أعظم دروس هذه الذكرى أن الصلاة، التي فرضت في السماء، هي صلة العبد بربه في الأرض، وسنده في مواجهة الفتن، ومصدر طمأنينته وسط الضجيج. وأن الثبات على القيم لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة، وأن النصر ليس دائما عاجلا، لكنه حتمي لمن صدق.

    وفي النهاية بقى أن اقول؛فى ختام هذه الذكرى العطرة، تبقى رسالة إلى شبابنا في عصر الثورة المعلوماتية، حيث تتزاحم الأفكار، وتتشابك الحقائق بالأكاذيب؛لا تجعلوا الشاشات بديلا عن الوعي، ولا السرعة بديلا عن الحكمة، ولا التقليد الأعمى بديلا عن الفهم. تمسكوا بهويتكم، وافهموا دينكم بعقل واع وقلب حي، واعلموا أن ما تمرون به من حيرة أو ضيق قد يكون إعدادا لدور أعظم، إن أحسنتم الصبر وحسن الظن بالله.

    فالإسراء والمعراج لم يكونا رحلة في المكان فقط، بل رسالة في المعنى؛أن المحن قد تكون جسورا إلى المنح.. وأن الله لا يخذل عبدا صدق معه، وإن طال الطريق.

     

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن: الإسراء والمعراج..حين تتحول المحن إلى منح Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top