إن ما
يقع فيه الأبناء من خلط بين معنى العطاء الحقيقي، وبين معنى العطاء في نظرهم؛
يجعلهم يذهبون بعيدا في ظنونهم، فيبدأ الواحد منهم بالغوص في أوهام تلو أوهام،
مستندين في أحكامهم على وهم العطاء، فمنهم من يُنكر عطاء والديه بالكلية، ومنهم من
يُنكر الكثير منه، متوهمين بأن آباءهم لم يضحوا من أجلهم، ولم يعطوهم العطاء الذي
يعطيه غيرهم لأبنائهم، ذلك لأنهم قَرنوا العطاء بالرغبة، ولم يقرنوه بالقدرة، ظنا
منهم بأن المعنى الحقيقي للعطاء، أن يحصل الواحد منهم على كل ما يريد! فتطاول على
من أفنى عمره بالتضحية والعطاء، منكراً كل ما فعله ويفعله من أجله، حينما جاع
ليشبع، واهترأ لباسه ليلبسه الجديد، وانكوى بحر الصيف ليحميه، وارتجف جسده في
البرد ليدفئه، ويأتي -تاركاً خلف ظهره ما عاشوه من شقاء وعناء وسهر ليكون هو - ويقول:
أين العطاء الذي أعطيتمونيه؟!
مثل
هؤلاء لن يدركوا المعنى الحقيقي للعطاء، إلا إذا أدرك بأن عطاء الأب، ليس أن يعطيك
كل ما تريد، بل؛ أنه أعطاك كل ما يقدر عليه.

0 comments:
إرسال تعليق