في
واقعنا المعاصر، لم يعد الرحيل حدثا جللا، بل صار تفصيلا يوميا.
نرحل
ونحن أحياء، نغيب ونحن حاضرون، ونفقد بعضنا البعض ونحن نتبادل السلام.
لم يعد
الرحيل دائما بالموت، بل صار بالخذلان، وبالقسوة، وبالانشغال، وباختلاف القلوب قبل
اختلاف الطرق.
صرنا
نعيش زمنا تسهل فيه الوسائل كل أشكال اللقاء، لكنها تعقد المعنى الحقيقي له.نلتقي
عبر الشاشات ولا نلتقي في الأرواح.
نرى
الوجوه، ولا نلمس الصدق.
وكأن
التقنية جمعت الأجساد وشردت القلوب.
وفي هذا
الزمن المرهق، أصبح الإنسان مضطرا أن يعتاد الفقد، لا لأن قلبه قوي، بل لأن الفقد
كثر.
صار
الرحيل بلا وداع، بلا تفسير، بلا حتى فرصة للحزن اللائق.
وهنا
تكمن المأساة الحقيقية؛ليس في الرحيل نفسه، بل في اعتيادنا عليه.
واقعنا
يقول إن اللقاء بات مؤقتا، هشا، مشروطا بالمصلحة والقدرة على الاحتمال.
من يتقن
الصمت يتهم بالضعف، ومن يتقن الوفاء يتهم بالسذاجة.
أصبح
النبل عبئا، والصدق خسارة، والثبات رفاهية لا يملكها إلا القليل.
حتى
القيم رحلت.
رحلت
الرحمة من بعض القلوب، وغاب العدل خلف الشعارات، وتحول الإنسان إلى رقم في طابور
طويل من الانتظار.
نعيش
زمنا يطالبك أن تكون قويا، لكنه لا يمنحك سببا للأمان.
ومع
ذلك، يبقى اللقاء ممكنا، لا في الضجيج، بل في المعنى.
في بيت
بسيط لا يعرف الزيف،
في يد
تمتد دون سؤال،
في كلمة
حق تقال ولو على حساب السلامة الشخصية.
هنا فقط
نفهم لماذا كثر الرحيل في دنيانا..لأن اللقاء الحقيقي مؤجل،
ولأن
هذه الأرض لم تخلق لتكون مقرا دائما للطمأنينة.
قال
تعالى "لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَد"
فالرحيل
في واقعنا ليس اختيارا، بل نتيجة اختلال الميزان، وقسوة الزمن، وانكسار المعاني.
أما
اللقاء… فهو وعد لا يخلفه الله، وعد يعوض عن كل ما فقدناه ونحن نحاول أن نظل بشرا
في زمن يكره الإنسانية.
وفي هذا
الواقع تحديدا، ليس السؤال؛ لماذا نرحل؟
بل ؛كيف
نحافظ على إنسانيتنا حتى يحين اللقاء؟
يتبع

0 comments:
إرسال تعليق