لم تكن
ثورة 25 يناير وليدة لحظة غضب عابرة، ولا هبة شارع بلا مقدمات، بل كانت خلاصة
سنوات طويلة من القهر الصامت، والوجع المؤجل، والأسئلة التي لم تجد إجابة. كانت
الثورة ابنة هذا الشعب حين ضاق صدره، وقرر أن يتنفس مرة واحدة وبصوت عال.
لن نخوض
في تفاصيل الشرارة الأولى، فالتاريخ سجلها، لكن ما لا يجوز أن ينسى أن هذه الثورة
كشفت معدن المصريين الحقيقي. جيل الشباب في مقدمة الصفوف، جيل الوسط يحمل الخبرة
والاتزان، وبعض من جيل الآباء يحرس الحلم بقلوب أنهكها الانتظار. أما حزب الكنبة..فسامحهم
الله، اختاروا السلامة، لكنهم لا يملكون حق تشويه من دفعوا الثمن.
من 11
يناير بدأت الملامح تتشكل، وراحت الدعوات تنتقل كالنار في الهشيم، حتى جاء 25
يناير 2011، اليوم الذي خرج فيه المصريون بلا إذن، إلا إذن الوطن. ثم تصاعد المشهد
حتى جمعة الغضب 28 يناير، حين سقطت هيبة الخوف، وسقطت معها أدوات القمع، وبدأت مصر
تحكم بإرادة شعبها.
ثمانية
عشر يوما.. نعم، 18 يوما بلا حكومة، لكن لم تكن بلا حكم. كان الشعب هو الحاكم،
والضمير هو القانون.
في
القرى تشكلت اللجان الشعبية، وفي المدن والميادين والحارات والعزب، وقف الناس صفا
واحدا. انصهر الجميع في بوتقة واحدة اسمها مصر.
لا
سرقة، لا تحرش، لا فوضى.. وكأن هذا الشعب كان يقول" نحن نعرف كيف نحكم أنفسنا
متى رفع عنا الظلم".
كل
محافظة زادت عن نفسها بأبنائها المخلصين.
وفي
الدقهلية، وتحديدا ميدان الثورة أمام المحافظة، كنا واقفين نزود عنها، نحرسها
بصدور عارية وإيمان لا يتزعزع، لأن الوطن في تلك اللحظة كان أغلى من العمر.
الصبيان
الذين شاركونا الحلم، ورسموا معنا لوحة وطن جميل، تجاوزوا اليوم الثلاثين
والأربعين، وكسرت أحلامهم لا لأنهم أخطأوا، بل لأن الأيادي المرتعشة خافت من
الحلم، وارتبكت أمام شجاعة الشباب، فسلمته لمن لا يؤمن به.
ثم جاء
من خطفوا الثورة بعد جمعة الغضب، أولئك الذين يتقنون التسلل لا المواجهة، ويمارسون
السياسة بمنطق الغنيمة لا الوطن.
الإخوان..بطبعهم
المخزي، ومذاهبهم الميكافيلية، لم يروا في الثورة إلا سلما للسلطة، لا مشروعا
للعدل. قدموا التنظيم على الوطن، والبيعة على الدولة، والمصلحة على المبدأ، فاغتيل
الحلم مرتين.. مرة حين سُرق، ومرة حين شُوه.
ومع ذلك
؛ تبقى ثورة 25 يناير أنقى وأنبل ثورات هذا الوطن، لأنها لم تولد خائنة، ولم تخرج
طلبا لسلطة، بل خرجت بحثا عن كرامة.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛الحلم
لم يمت، حتى وإن طال الزمن، لأن الأحلام الحقيقية لا تموت، بل تنام قليلا، تنتظر
جيلا جديدا يؤمن بها كما آمنا..وربما أكثر.
فالتاريخ
لا يُكتب بالمنتصر وحده، بل يُكتب أيضًا بأحلام المنكسرين…
وثورة
يناير ستظل صفحة بيضاء في كتاب مصر، مهما حاولوا تلويثها.

0 comments:
إرسال تعليق