• اخر الاخبار

    الخميس، 15 يناير 2026

    احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن :حين يختزل القسم الدستوري في "كومنت".

     

     


    لم يكن مشهد حلف اليمين الدستورية لنائبات البرلمان مشهدا عابرا في عمر الحياة النيابية، بل كان - في جوهره - لحظة سيادية، تتجسد فيها فكرة الدولة، ويستدعى فيها ضمير الأمة، وتستحضر فيها المسؤولية الثقيلة.. تشريع القوانين، ومراقبة الحكومة، والدفاع عن مصالح شعب أنهكته الأزمات.لكن ما إن انتقلت هذه اللحظة من قاعة البرلمان إلى شاشات الهواتف، حتى تحولت - في عيون كثيرين - إلى مادة للتندر، وساحة للابتذال، وموسم مفتوح للتفاهة.

    رأينا من تهكم على نائبة معينة، لا لشيء إلا لأنها (معينة)، وكأن التعيين ذاته جريمة، أو نقص في الوطنية، متناسين أن الدستور ذاته أقر هذا المسار. ورأينا من انشغل بشكل نائبة شابة، فانهالت عليها عبارات الإعجاب الممجوج، لا تقديرا لفكرها أو رؤيتها أو برنامجها، بل لأن "الملامح جميلة" و"الصورة لافتة"، وكأن البرلمان منصة عرض أزياء، لا مؤسسة تشريعية. ثم جاء القاع.. حين تندر آخرون على نائبة أثناء أدائها القسم، فشبهوا صوتها بنغمة هاتف، وكتبوا ساخرين: (للحصول على النغمة دي اضغط…)، وكأن القسم الدستوري بات "كول تون"، تسوقه شركات الاتصالات.

    هذا العبث ليس سخرية عابرة، ولا "خفة دم" كما يبرره البعض، بل هو تسفيه متعمد لمؤسسة منوط بها مستقبل هذا الوطن. هو إفراغ للمعنى، وتجريد للهيبة، وقتل رمزي لفكرة الدولة ذاتها. فحين يختزل النائب - رجل-ا كان أو امرأة - في شكله أو صوته أو طريقة نطقه، فإننا نعلن، دون وعي، أن القيم قد انهزمت أمام السطح، وأن الجوهر لم يعد يرى.

    والسؤال المؤلم؛ كيف وصلنا إلى هذا الحد من العبث؟!

    السبب الأول هو تدهور الوعي العام، حيث تحولت مواقع التواصل من أدوات للتعبير والنقاش إلى ساحات للتنمر، يحكمها منطق "التريند" لا منطق الفكرة. والسبب الثاني هو غياب التربية الإعلامية؛ فلا مدرسة علمت، ولا جامعة نبهت، ولا خطاب عام رسخ احترام المؤسسات. أما السبب الثالث - وهو الأخطر - فهو تطبيع السخرية من كل ما هو جاد، حتى بات الوقار يتهم بالتصنع، والاحترام يوصم بالتخلف، والحديث الرصين يقابل بالملل.

    ولا يمكن إعفاء بعض المنصات الإعلامية من المسؤولية، حين تلهث خلف التفاعل، فتعيد نشر التعليقات الساخرة، وتمنح التفاهة شرعية الانتشار، وتسهم - عن قصد أو دون قصد - في تعميق هذا الانحدار.

    أما الحل، فلا يكمن في المنع ولا في القمع، بل في إعادة بناء الوعي. يبدأ الحل بإحياء قيمة احترام الدولة ومؤسساتها في الخطاب العام، وبإدخال مفاهيم التربية الرقمية في التعليم، وبإعلاء شأن النقد الجاد لا السخرية الرخيصة. ويستكمل الحل بدور إعلام مسؤول، يفرق بين النقد المشروع والتنمر، وبين الرأي والسخرية المبتذلة. كما أن على البرلمان نفسه - نوابا ونائبات - أن يفرض هيبته بالفعل، بالعمل الجاد، والشفافية، والاقتراب الحقيقي من هموم الناس، حتى لا يترك فراغا تملؤه التفاهة.

    في النهاية بقى أن اقول؛ المشكلة ليست في "كومنت" كتب هنا أو هناك، بل في عقل اعتاد الاستهزاء، وقلب تصالح مع السطحية، ومجتمع سمح للتفاهة أن تتكلم بصوت أعلى من الحكمة. وحين تهان مؤسسات الدولة على الشاشات الصغيرة، فلا تلوموا الشاشات.. بل راجعوا ما تبقى من وعي.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن :حين يختزل القسم الدستوري في "كومنت". Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top