يطل
علينا شهر شعبان كنسمة ربانية رفيقة، لا تحدث ضجيجا، لكنها تعيد ترتيب القلب من
الداخل، وتمهد الأرواح لاستقبال الضيف الكريم. هو شهر بين رجب ورمضان، يغفل عنه
كثيرون، بينما لا يغفل عنه الله، ولا عنه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
في
شعبان، ترفع الأعمال إلى الله، كما أخبر الصادق الأمين "ذاك شهر يغفل الناس
عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفعُ فيه الأعمال إِلي رب العالمين، فأحب أَنْ
يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»
فكان
صلى الله عليه وسلم يكثر فيه من الصيام، ويكثر من الطاعات، كأنه يعلمنا أن
الاستعداد الحقيقي لا يكون في الليلة الأولى من رمضان، بل يبدأ من تطهير السرائر
قبل تزكية الظواهر.
وشعبان
ليس شهر عبادة فردية فقط، بل شهر صفاء داخلي ومراجعة صادقة للنفس. فيه نتخفف من
أثقال الخصومة، ونصالح قلوبنا قبل أن نصافح الأيدي، ونستحضر قول الله تعالى"إِن
الله يحب التوابين ويحب المتطهرين"
فلا
صفاء بلا توبة، ولا نقاء بلا اعتراف بالتقصير.
ومن
صفاء القلوب يولد العمق الاجتماعي الحقيقي. فشعبان يذكرنا أن المجتمع لا يقاس
بكثرة ما يملك، بل بقدر ما يرحم. هنا تشرق الصدقات، لا بوصفها أرقاما، بل ابتسامات
ترسم على شفاه الفقراء والمساكين، وأياد تمتد بالخير دون منة أو انتظار مقابل. وكأن
الصدقة في شعبان تدريب عملي على روح رمضان، حين يشعر الغني بالفقير، ويستعيد
المجتمع توازنه الإنساني.
لقد كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في مواسم الخير،
ليغرس فينا أن العبادة الحقة لا تنفصل عن الناس، وأن القرب من الله يمر دائما عبر
الإحسان إلى خلقه.
"شعبان"..
إذن ليس محطة عابرة، بل جسر روحي واجتماعي نعبره نحو رمضان؛ نصلح فيه ما فسد،
ونرمم ما انكسر، ونهيئ القلوب قبل أن تهيأ الموائد.
اللهم
في "شعبان" صف قلوبنا من الغل والحقد، وطهر أعمالنا من الرياء، واجعلنا
من أهل الصدق والإحسان.
اللهم
ارحم فقراءنا، واجبر خواطر المساكين، وأصلح أحوال أمتنا، واكتب لنا ولمن نحب بلوغ
شهر رمضان، ونحن في أحسن حال، وقد رضيت عنا يا رب العالمين.

0 comments:
إرسال تعليق