• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 9 يونيو 2020

    قطار الشرق !! قصة قصيرة بقلم الأديب العراقى الكبير :عيسى عبد الملك



    قطار الشرق   !! قصة قصيرة بقلم الأديب :عيسى عبد الملك
    كل ما حولي بدا غريبا وبدوت مثل عريان اجلب نظر السائرين في الشارع .حتى خطوط السير واشارات المرور كانت شبه لغز، كذلك بدت حركة سيقان المارة المموسقة المتسارعة وهمس الناس وهم يتحدثون متشابكي الايدي متقاربي الرؤوس كطيور تزق بعضها بعضا طعاما يتبادلون القبل دون وجل مناظر تدهشني . بدت الشوارع خالية من منظر العسكرة وسيطرات التفتيش مزدانة بانواع الورود، لكني كنت حذرا مثل غراب . تمسكت بالشك وترقب المجهول.ذلك كان في اول سفرة لي الى أوربا، كنت قبلها نهبا لحالة قلق وشعور باني سأنتقل الى عالم غريب يصعب التعايش معه. وللتخلص من هذا الشعور والمخاوف ، زودني صديق برسالة الى منظمة تعنى بالمهاجرين وببعض التوصيات : اقتصد في الكلام .تجنب الاختلاط بكل من هب ودب .احذر من النصابين والنساء ووكلاء السلطة وحاذر من زلة لسانك فللسلطة عيون واذرع مثل اخطبوط قال وهو يودعني في رحلة للمجهول. كان ساحل البحر يعج بالسائحين لأن الوقت كان صيفا حينما وصلت .. كل ضحى يوم، افرش منشفتي على رمل الشاطيئ بعيدا عن اقرب مصطافة شبه عارية مضطجعة على رمال الشاطئ واركض نحو البحرفاردا يدي مثل جناحي طائر .ارتمس في الماء ولكي الفت الانظار اقوم ببعض الحركات، كأن التف حول نفسي واضرب صفحة الماء باحدى قدمي او ارفرف بهما احيي المصطافين مقلدا حركة دولفين رأيته في سرك ذات مرة ، ثم بهدوء اخرج واضطجع على منشفتي ارد باقتضاب على كل ترحيبة هلو بهلو مثلها واعتذر لو رجتني واحدة ان ادهن ظهرها الذي قرحته حرارة الشمس ربما لقلة ثقتي بنفسي ..!.
    ذلك اليوم ، في طريقي الى البلاج ، قبل ان اسير في ممر من ورود على شكل قوس ، تذكرت سودانيا التقيته في متنزه مزدحم بالناس ــ صورة مع تلك الفاتنة، تباهي بها اصدقاءك في وطنك ، بخمس دولارات فقط ؟ قال وأشار الى ثلاثينية في غاية الجمال. تذكرت وصية صديقي وقلت عذرا.على بعد أمتار برز البلاج ونافورات ماء قرب كابينات لحفظ الملابس. ولأني مغرم بالساحل والسباحة ورؤية المصطافين على البلاج وهذا الكم الهائل من جميلات الارض ، بقيت حتى الرابعة عصرا. بدأ الماء يبرد وراح الناس يغادرون زرافات وبقيت وحدي. على صخرة بطول مترين تشرف على البحر، جلست اتأمل زرقة مياه البحر تحفني نوارسه بين حين وآخر مأخوذا بمنظر انعكاسات ظلال الاشجار على صفحة الماء .
    ــــ تسمح؟ على غير توقع فاجأني صوت نسائي جميل يطلب الاذن بالجلوس جنبي . رفعت نظري . رأيت فتاة تقف خلفي . بحذر قلت ،اكيد، تفضلي .
    ــــ روز، انا روز ، بلغارية. طالبة طب في السنة الاخيرة ، وانت ؟.عرفتها بنفسي .تشرفت ،اهلا وسهلا،رأيتك ذات يوم في متنزه ، قالت بالعربية ايضا وجلست كتفا لكتف جنبي .كانت أليفة مثل قطة بيت.
    ــ من علمك اللغة العربية يا روز؟ ــ زميل سوداني معي في كلية الطب اوشكنا ان نكون خطيبين لولا .....ــ لولا ماذا ؟ افترقنا وتلك قصة . كيف ؟ احببته ثم فوجئت بما لم يكن في الحسبان ؟ كيف ؟ فجأة وفي ظروف غامضة يختفي زميل من الكلية . كنا جميعا نحزن ونقلق ونخاف الا هو . دارت الشكوك حول كثيرين وربما لان الحب اعمى كنت ابعد الشك عنه . كنا على يقين بوجود شخص يكتب عن الطلاب المعارضين لسلطات بلادهم لكن من هو؟ ذلك كان لغزا .اخبرت ان بعضهم يجند فتيات لأعمال دنيئة . صرت اشك بكل الزملاء وابتعد عنهم .كي لا يستغل احد صداقتي او بطريقة ما يحاول تجنيدي .كنت حذرة . لكنه رغم حذري ودون ان ادري حولني سلعة للعرض. أعرف اني جميلة مثل كثيرات ولكن لست دمية لمتعة النظر تقدمني لكل قادم قلت له فقال اعتزازا بك ..خامرني شك انه يعتاش على بيع صوري وعلى خداع المرضى القادمين للعلاج وان الذين صورني معهم ليسوا اصدقاء او اقارب كما حدث معك يوم التقاك في المتنزه .اصدقني القول .كم اراد منك لقاء التقاط صورة معي حينما ساومك ؟ ،خمسة دولارات.هل طرح عليك اسئلة اخرى ؟ لم اعطه المجال .كيف عرفت .؟ اخبرتني صديقة سمعت حديثكما.لماذا رفضت التقاط صورة معي ؟ ظننتك بائعة متعة . تعني ساقطة ، اليس كذلك ؟ فعلا .عضت على شفتيها وقاومت نوبة بكاء. رفعت رأسها وقالت بحزن واذن ظننتي ساقطة ؟ يالهي كيف ازيل وصمة العار هذه ؟ كيف اثبت لك اني لست كذلك واني طاهرة عذراء؟ اتدري لماذا انا قربك ؟ لكي اتأكد انه ساومك قبل ان ازيل وصمة العار .وها انت اكدت صدق حدسي . اي حقارة ؟ سيصبح طبيبا او مسؤولا في بلاده ؟ تصور. رجل مثل هذا لا يستحق ان يعيش.انه العار بعينه ؟..صارحته انكر. اخذ يهمل مواعيدنا. ثم ابتعد..ــ.الاهمال اول علامات موت الحب كان عليك ان تعرفي. صحيح. حينما اخبرتني صديقتي بما دار بينكما رحت اجمع الادلة بنفسي. فتحت شقته وهالني ماوجدت.نسخا لصوري مع سودانيين وعرب مغيبين .عشرات التقاريرعن زملاء قتلوا في ظروف غامضة او اختفوا . جعل مني شريكة في اخس اعماله، قالت واجهشت بالبكاء ثم ، جلسنا صامتين . بدا الجو يبرد كان لروز شعر غجرية اسود يغطي ظهرها وصوت حنون يفيض رقة. كانت تشعر بانكسار وخيبة وجرح عميق لكنها كانت تكابر .موجة غضب ولوم وحقد على السوداني عصفت بي . بفعل لسع البرد التصقت بي روز . شعرت بدفء جسمها وحرارة انفاسها على صخرة الساحل الذي خلا من مرتاديه كنا نصغي لصوت الامواج تضرب الساحل .من بعيد على المرتفعات راحت تلمع اضواء الملاهي الليلية والمراقص والمطاعم .لماذا وحدك؟ فقد لا حظت ذلك منذ ايام ، سألتني .. انا سائح ،بضعة ايام وراحل غدا او بعد غد مثل سنونو لا انفع للحب ولا احبذ العلاقات العابرة .ضحكت وقالت كلنا راحلون يوما ما ولا بد للسائح من حفنة ذكريات، هذه هي الحياة، تريد ان انصرف ام نكمل الحديث ؟.نكمل .حسنا مارأيك بسهرة وطعام عشاء ، احتاجك في ابداء نصيحة لي هيا لنذهب .كيف هكذا بكسوة السباحة ؟ .طبعا لا .للمناسبات وجه آخر وملابس آخرى وزينة ،انت ضيفي في سهرة الغد. سعيدة باللقاء بك .هل ستلبي دعوة لساقطة ؟ قلت بكل سرور اقبل دعوة لعذراء . امسكت يدي وسرنا ملتصقين ببعض . في وسط متنزه قرب تمثال ديمتروف وقفت .غدا في السابعة هنا نلتقي .اوكي .تذكر الموعد. الان لكي ادفئ جسمي علي ان اهرول. وداعا. وداعا. التفتت الي وقالت في السابعة تذكر انا ممن يكرهون الانتظار طويلا.
    من السادسة رحت اتهيأ للقاء روز ،حلقت لحيتي مرتين. تحممت . تعطرت واحسن بدلة سهرة لبست . كنت على وشك الخروج حينما دخل صديقي جمال فجأة .كان مرتبكا بشكل مخيف ودون مقدمات سألني اين كنت عصر امس ومع من ؟ بعد البلاج كنت مع فتاة اسمها روز. افترقنا قرب تمثال ديمتروف .بكسوة السباحة ؟ نعم . واين ذاهب الآن؟ .الى روزالرائعة فقد دعتني لسهرة ووجبة عشاء .عن اي عشاء تتحدث ايها المجنون؟ .الشرطة تبحث عنك وروزك الرائعة في قبضة الشرطة . انظر اليست هذه هي روزك ؟ قال وفتح جريدة كانت معه تصدرت صفحتها صورة روز .نظرت مبهوتا الى الصورة وقلت نعم هي .امسك بياقة قميصي وقال عليك ان تغادر البلاد فورا . روز قتلت سودانيا ليلة البارحة . لم تكن وحدها بل هناك اكثر من شريك تقول الشرطة .اقرأ ما كتب. على عجل قرأت : امس عصرا شوهدت القاتلة مع آسوي قرب تمثال ديمتروف.كانا بملابس السباحة .اهرب قبل فوات الاوان. صديقتي سالي بانتظارناعند الباب، اسرع لتلحق بقطار الشرق قبل ان يغادر والا غيبت للأبد !!!



    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: قطار الشرق !! قصة قصيرة بقلم الأديب العراقى الكبير :عيسى عبد الملك Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top