ستكون نافذتنا الثقافية مختلفة حيث سيسعد القارئ الكريم بفنّ ٍ أدبيٍ راقٍ لا يعرفه الجميع وهو فنّ المقامة وقد جاء به الشاعر الكبير نور الدين العدوالي في إسلوبٍ فكاهيٍ مرحٍ سهلٌ على الذوق و لا يخلو من العبرة والإتعاظ ..
فُسْحة أدبيّة :
"دُوبارَة بَسْكريّة "
راسَلَني بعضُ الأصدقاء يطلبون منّي أن أتفضّل على حضراتهم بالكتابة في فنّ المقامة ، و لِكَونِهم مِن أهل الأدب و عُشّاقه و خاصَّتِه، فكان لهم ما أرادوا.
تنبيه : الشخصيات هي من نوعية " سبونج بوب " و " توم و جيري" ليست من صفوف المساجد ، و لا من مدرّجات الملاعب، و أيّ تَشابُه في الأسماء، فهو من قبيل الصّدفة.
و إلى المقامة... لحظات ممتعة.
دَرْدَشْنا كثيرًا من باب " ساعة و ساعة" ، ثمّ صلّيْنا الظّهرَ جماعة ، و رأيتُنا كَمَن حَلّتْ به المجاعة، فقال الإخْوان : جِدْ لنا مَطْعمًا ندخُلْه، و طعامًا نأكُلْه، فَقَدْ طَوَانا الطّوَى، و أنْسانا قصائدَ الغزل و الهَوى، قلتُ : غَداؤكم عِنْدي، و سأذبحُ لكم ديكَ الهِنْدِ ، قال " علّاوة" : لا داعيَ للإزْعاج، فلربّما سيّدة البيت متقلّبة المزاج، ما رَأيُكم بالفول و " الدّوبارة" في ظلّ انخفاض درجة الحرارة؟! ، فقد ثَبَتَ عن جَدِّي " مُحاتَة" الذي لم يَسْمَعْ يومًا عن " ابن نباتة" قولُه: مَنْ يُرِدْ أن يصبحَ غولًا، فَلْيأكُلْ فُولًا " ، ردّ الحاج " السّعيد" ضاحكًا : أنت و جَدُّك سِيانِ ، على أرْبَعةٍ تَسِيرانِ ، لا يظهرُ منكما إلّا قَرْنانِ طويلانِ ...
ضَحِك " بوجمعة" مِلْءَ شَدْقَيْه، و جَثا على رُكْبَتَيه ، ثم قال: دَعونا من الفول و الدّوبارة ، يسبّبان لي مضاعفاتٍ في المرارة، أريدُ من اللّحْم رِطْلَيْن ، و سألْتَهِمُ بَدَلَ الوَجْبة وَجْبتَيْن ، رغمَ أنّني أخْشَى الأبيَضَيْن ، قلتُ : ألا تَخْشى الدُّهُون؟! قال: سأحرقُها بالخَلّ و اللَّيْمُون...
تدخّل " سي محمّد" و جِسْمُه من البرْدِ يكادُ يتجمّد : لا شيءَ يحْلو في هذا اليوم العَسِير كطبقٍ من " البَغْرير" ،نَخْتِمُه بشايٍ لذيذ.. قاطعه " علّاوة": و قليل من النّبيذ.. قلتُ : ثَكلَتْك أمُّك، و لا عاشَ خالُك و عَمُّك ، ما هذا الكلام، ما لنا و شرْب الحَرام؟!
قال " بوجمعة" : يا شيخ، زمَنُ الوَرَع وَلَّى، و الكُلّ عنه تَخَلّى ، صُبَّ الخَلَّ في الزّيْتِ ، فَما بَقِيَ صالحٌ في البَيْتِ ...
اندفع الجماعة : اُلْطْفْ بنا يا ربَّ الأرض و السّماء، و لا تؤاخذْنا بما فَعَل منّا السُّفَهاء..
بقينا مدّةً بين الأخذ و الردِّ ، كالحائر بين الشّدِّ و المَدِّ ، ثُمّ أتيْنا مطعمًا تزيّنتْ واجهتُه بالسَّلَطات و اللّحوم ، و انبعثتْ منه روائحُ المشويّات و الشُّحوم ، ما إن تَحَلّقْنا حوْلَ طاولةٍ من الطاولات، حتى قرأ النّادِلُ لائحةَ المأكولات، و راحَ كلٌّ مِنّا يُبَحْلِقُ في أصْحابِه، و قد قَطَّبَ ما بين أهْدابِه ، و لِسانُ حالِه يقول : ماذا تَعْلفُون يا عُجُول؟! ، استطرد النّادِلُ : لديْنا : السُّوتْشي و البُوتْشي و الكُوتْشي ...قاطعتُه قائلا : ثالثُهم هذا لاعبٌ يتقنُ المراوغة و التّرويض! ردَّ مُتَهَكِّمًا : عَمَّ تتكلّم أيّها المريض؟! قلتُ : أليسَ هو وسط الميدانِ في المنتخب الياباني؟! فرَمَقني النّادِلُ بنظرة شزْراء ، كأنّه يقول لي : يا " حابِسَ البيضاء"! ، عَلَّقَ " علّاوة": لستُ أدْري مِن أين تسلّلتْ إليْنا هذه الأطعمة الغريبة بهذه المُسَمّيات العجيبة؟! ، و طَلبَ مِن النّادِل صَحْنًا كبيرا من الفاصولياء، لأنه لا يسْتَسِيغُ البازِلّاء ، بينما رَغِبَ " بوجمعة" في طبَقٍ من البطاطا المَقليّة مع شرائح دجاج مَشْويّة ، و تساءلَ ثلاثتُنا فُضُولا : و ماذا تلتهمُ أنت يا " الحاج السّعيد" ؟! فرَدً مازِحًا : قِصْعةً مِن الثّريد ، يتناثر فوقَها حُمّصٌ كالحديد ، و ينامُ أعْلاها فلفلٌ حار، يُخرِجُ النّساءَ من الدّيار ، و فيها هَبْرة خَرُوف ، طازجة كما هو معروف، قلتُ : يا حاج.. احْذرِ الكوليسترول، فلا ينفعُ معه البانادول و لا الباراسيتامول، قال: احتفِظْ لنفسِك بأفكارِك، و لا تُصَدِّعْ رُؤوسَنا بأشْعارِك، ثمّ الْتَفتَ إلى النّادِل : هات.. هات لُوبْيا " فاصولياء" من العيار الثّقيل، تُطْفئ للمَرْءِ ضَوْءَ القنْديل ، و سَلَطة مُزَيَّنَةَ التّشْكيل ، مُتْقَنَةَ التَّتْبيل ، و فَخذَ دجاج ، مع قارورة ماء ثَجّاج ، فَرَدَّ النّادلُ : مَعَك حقّ ، استمتعْ بالقوت، فآخِرُها موت، كُلْ ما بَدا لَك ، و تجنَّب المَهالِك، احْذَر البِطْنَة، فهي تُذْهِبُ الفِطْنة ، و دَلِّلْ نفسَك، و لا تنتظرْ أن يدلِّلوك، فلَوْ ظلّوا معك ما نَفَعوك ، و تنهّد عميقًا، ثمّ قال متحسِّرًا : مَنْ ينتظِرْ قُبْلَةً من الحَبيبة، يَبِتْ مع الأغنام في الزّريبة ...
بَقِيَت الأعناقُ مُشْرَئِبَّةً إلَيّ ، و الأضواءُ مُسَلَّطَةً عَلَيّ ، ماذا سَأَلْتَهِمُ ، و مِن أيّ صَحْنٍ سأنْتَقِمُ ؟! خامرَ رأسي التّشويش، فلا ألَذَّ مِن " قصْعَة العِيش" ! ، لكنّ " علّاوة" بادَرَ بِسُؤالي : ما رأيُك في طَبَق مِن المَقَالي، يا سي "عدوالي "؟! قُلتُ : هاتِ لأخيك " دوبارة" ، و لْيَعْصِبْها برأسي أولادُ الحَارَة ، احترْنا في اختلاف الأذواق ، و مَلَلْنا مِن كَثْرَة الأمْراق، مَزيجٌ من الحُمّص و الفول، بذوق غير معقول ، يَجْعلُني أُحَلِّقُ فوق الأنادُول.. قال " سي محمّد" مازِحًا : يا شاعر.. قُلْ في هذا المقام قصيدة، و لكَ منّى أشْهَى عَصِيدة !
قلتُ : بعدَ أن آكُل و أشْبَع، سأقول و أبْدع ، و أُشَنِّفُ و أسْمع، كما ثَبَت عن الجَدّ " مُحاتة" : لا سلام على طعام.. فكُلوا و اشْربوا و لا تُكثروا الكلام .
ثُمَّ أنْشَأْتُ أقول:
يا لَيْتَ لِي شَكْشوكَةً إنْ لَمْ أَجِدْ بَكْبوكَةً*
أوْ أَقْتَفي بَسْبوسَةً في دَلِّــهَا مَتْـروكَةً
أَقْتادُها في خِلْسَـةٍ نَحْوَ الخَفَا مَنْهوكـَةً
ما أَرْتَجي في أَكْلِها سِكّـينَةً أوْ شُــوكَـةً
إِمَّا وَجَدْتُ المُشْتَهَى شَخْشوخَةً مَعْلُوكَةً*
سَأَكْتَفي مِنْ كِـسْرَةٍ أَخْتــارُها مَـدْلُوكَةً
وَ شَـرْبَةٍ مِنْ قِــرْبَةٍ تَجْتاحُني مَسْبُوكَةً!
هُنا صاحَ صاحِبُ المَحَلِّ : يا لكَ مِنْ فَحْلِ ! ضُيُوفُك ضُيوفي ، حَلَّتْ بَرَكَتُكم في طعامي و مَصْروفي ، حِسابُكم مدفوع، و قَدْرُكم مَرفوع !
وقفْتُ في حَيَاء ، أبْحثُ عن ألْطَفِ عِبارات الدّعاء ، أكافئ بها سيّدَ الجُودِ و السَّخاء ، فشَدَّ على يَميني في خُيَلاء ، و قال أمام الأصدقاء : يَكْفينا فَخْرًا أنّك شاعرُ البيضاء...
**شاعر البيضاء نورالدين العدوالي / عين البيضاء / الجزائر
28 ربيع الأول 1440 هج الموافق 06 ديسمبر 2018
هامش : الدّوبارة : أكْلة شعبيّة مزيج من الحمّص و الفول، و أشهر أنواعها تلك التي في " بسكرة" جنوب شرق الجزائر
*العِيش: طبق تقليدي جزائري من العجائن
* بَكْبوكة: طبق من أحشاء الخروف
*مَعْلوكة: مدلوكة دلْكًا

0 comments:
إرسال تعليق