في واحدة
من أكثر الوقائع إيلاما، لم تكن طالبة الصف الأول الثانوى"رقية" بإدارة اهناسيا
التعليمية ؛ هي من خضعت للإختبار، بل كانت المدرسة ذاتها.. وكانت النتيجة كاشفة حد
القسوة.
داخل فصل
دراسي يفترض أن يكون ملاذا للطمأنينة، تحول “كيس الفول” ورغيفا العيش إلى قضية، لا
لشيء إلا لأنهما حملا بصمة البساطة، وربما الفقر.. أو لنقل بصراحة أكثر؛ لأنهما حملا
ملامح المجتمع الحقيقي الذي لا يحب البعض أن يراه.
لم يكن المشهد
عابرا، بل كان مشهدا مكثفا لخلل أعمق.
مسؤول يقف
في موقع السلطة، وطالبة تقف في موقع البراءة، وبينهما فجوة اسمها “الكرامة”. حين طلب
من الطالبة أن تعرض طعامها أمام زميلاتها، لم يكن ذلك مجرد إجراء، بل كان فعلا رمزيا
يعيد ترتيب البشر على سلم غير معلن.. من يملك الحق في أن يحترم.. ومن يسمح له أن يهان.
"الفول"
هنا لم يكن طعاما، بل كان “هوية”.
و"رغيف
العيش" لم يكن خبزا، بل كان "طبقة اجتماعية" تمشي على قدمين صغيرتين
إلى المدرسة، حاملة معها ما استطاعت الأسرة أن توفره. السخرية من هذا المشهد ليست سخرية
من وجبة، بل من واقع كامل، من بيوت تعيش على الكفاف، ومن أمهات يضعن في الحقائب ما
تيسر، لا ما يرضي ذوق السلطة.
والأخطر
من الواقعة نفسها، هو ما تكشفه؛أن بعض مؤسساتنا لم تتحرر بعد من فكرة "تقويم الإنسان"
بدلا من "احتضانه". أن هناك من لا يزال يرى في الاختلاف عيبا، وفي البساطة
نقصا، وفي الفقر شيئا يجب إخفاؤه لا احترامه..ثم جاءت العاصفة..اشتعلت مواقع التواصل،
فاهتز المشهد، وتبدلت اللغة. أصبح الحديث عن "حوار أبوي" و"الكرامة
خط أحمر"، والتقطت الصور، وقدمت الاعتذارات. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجميلها،
أن الكرامة لا تستدعى ببيان، ولا ترممها كلمات بعد أن تكسر على مرأى ومسمع.
إن ما حدث
مع "رقية" ليس واقعة فردية بقدر ما هو إنذار.
إنذار بأننا
ما زلنا بحاجة إلى إعادة تعريف معنى التعليم نفسه؛هل هو تلقين ومراقبة؟ أم هو بناء
إنسان يشعر أن له مكانا في هذا العالم، مهما كان ما يحمله في يده بسيطا؟
ربما تنسى
الطالبة كلمات الاعتذار، وربما تبتسم في الصور، لكن الذاكرة الإنسانية لا تنسى بسهولة
لحظات الانكسار الأولى.
وهنا، يصبح
السؤال الحقيقي؛كم "رقية" أخرى قد تتعلم في صمت.. أن تخجل من نفسها؟
#في_النهاية_بقى_أن_اقول،
لم يكن "كيس الفول"هو المشكلة..بل كانت المشكلة في عين لم تر فيه إلا ما
يستحق السخرية، بينما كان في حقيقته درسا عظيما في القناعة.. لو أننا فقط أحسنا التعلم.

0 comments:
إرسال تعليق