كتب : ناصر البدراوى
صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، طبعة ثانية من كتاب "إن كان بدك تعشق، كتابات في الثقافة الشعبية" للمفكر والسياسي اللبناني فواز طرابلسي، وهو كتابٌ في الثقافة الشعبية، ثقافة الهامش والأطراف الآيلة للأفول، ينقلنا من خلاله الكاتب والمؤرِّخ فواز طرابلسي إلى مناطق جديدة في تناول ثقافةٍ يُنتجها أبناء الشعب في بيئاتهم الطبيعية، في مقابل ثقافةٍ منتَجة للاستهلاك من قبل الجمهور الواسع، قد تستلهم من أصولها ومكوِّناتِها الأساسية، وقد تُهمِلُ جوهرَ الأصالة والتكثيف فيها وتُحوِّلها، بغرض الرِّبح السَّريع، إلى سلعةٍ زهيدة موجَّهة إلى جمهور متلقٍّ أساساً وغير مشارك في الإنتاج.
إضاءاتٌ متعدِّدة عن التجربة الحياتية الإنسانية، وكيفَ يتمُّ انتاجُ ثقافةٍ تفسِّر المعيشَ اليومي، وتؤوِّلهُ بتقنياتٍ بسيطة، مثل المثل والأغنية والرقص. يعالِجُها الكاتب برشاقة قلمٍ واعٍ، مدركٍ لمكوِّنات مختلف الطَّبقات الاجتماعية، رافضٍ لجعلِ الثقافة الشعبية في منزلةٍ أقلّ من الثقافة العالِمة. وربَّما كانت الأولى مرآةً حقيقية لحياة الشعب وتكثيفاً لحكمته، وهو ما تعكسه مواضيع الكتاب وتنوُّعها: المرأة واقتصاد الحرير، رقصة الدبكة، الحكم والأمثال الشعبية، عيد البربارة والصراع الطبقي، أم كلثوم والذكرى.
«تأمُّلات في الحياة وأفكار وأمثولات وحكم صادرة عن التجربة الجمعية عبر الأجيال»، هكذا يصف طرابلسي كتابه الصغير هذا والذي جاء في 112 صفحة، وأنَّ أعماله في هذا المجال «أقرب إلى لفتات نظر وتشجيع على البحث والكتابة».
يواكبُ هذا الكتاب صدور كتاب آخر، ضمن مشروع الكاتب فواز طرابلسي في مجال الترجمة؛ وهو كتاب "عشرة أيّام هزَّت العالم" للكاتب والمناضل الاشتراكي الأمريكي جون ريد. والذي قال عنه مؤسس الحزب الشيوعي، وقائد الثورة البلشفية، ف.أ.لينين، أواخر عام 1919: «باهتمام بالغ، وانتباه لا يكلّ، قرأتُ كتاب جون ريد "عشرة أيام هزّت العالم". بدون أي تحفّظ، أوصي جميع عمّال العالم، بقراءته. أودّ أن أرى هذا الكتاب منشوراً في ملايين النسخ، ومُترجماً إلى جميع اللغات؛ لأنه يرسم صورة صادقة وحيّة عن أحداث، هي ذات أهمّية قصوى لفهم حقيقة ثورة البروليتاريا، ودكتاتوريتها. هذان الموضوعان يُناقشان على نطاق واسع، ولكنْ؛ قبل أن يُقدم المرء على قبول مثل هذه الآراء ورفضها، عليه أن يعي - أولاً - المغزى الكامل لقراره. ولا شك في أن كتاب جون ريد يساعد على توضيح هذه المسألة التي هي المسألة الأساسية بالنسبة للحركة العمّالية العالمية».
أمّا المؤرخ الإنجليزي آلان جون برسيفال تايلور، فلم يتردد في اعتبار الكتاب أفضل سردية كتبت عن أي ثورة أخرى في العالم، قائلاً: «لا يعد كتاب ريد أفضل سردية متوفرة بين أيدينا عن الثورة البلشفية وحسب، بل يقترب من كونه أفضل سردية كتبت عن أي ثورة أخرى في العالم. لطالما كانت الثورات تمثل أحداثاً صاخبة وفوضوية، ويصعب تتبعها للغاية أثناء انفجارها».
ويذهب سفير أمريكا إلى الاتحاد السوفييتي جورج كينان، إلى أبعد من هذا الطرح في حديثه عن كتاب "عشرة أيام هزّت العالم" وقيمته التاريخية والسياسية بقوله: «يتسامى سرد ريد للأحداث في تلك الفترة فوق أي سردية معاصرة أخرى لقوته الأدبية، وعمقه وتفاصيله الدقيقة. سيبقى هذا الكتاب ماثلاً في الذاكرة بينما ستتلاشى كل السرديات الأخرى».
في حين كتب روبرت ماك كروم في صحيفة الغارديان ما يؤكد أصالة العمل معتبراً أنَّ: «كتاب "عشرة أيام هزّت العالم" لا يعد تاريخاً ولا جدلاً نقدياً بل الاثنين معاً، فهو عبارة عن عمل بليغ يتضمن شهادة أصلية وأخاذة في الوقت نفسه لدرجة لا يمكن للمرء أن يتوقف عن قراءتها حتى لالتقاط أنفاسه».
كتاب "عشرة أيام هزّت العالم" والذي جاء في 456 صفحة، شريط متّصل وكامل من المشاهدات الحيّة للأيام الأولى لثورة أكتوبر، وليس كرونولوجيا للأحداث فقط، لأن كاتبه عاش تلك الأيام كثوري ومناضل آمن قبل كلِّ شيء بالمعنى العميق لثورة الجماهير، وكتب ملحمته هذه.
وجون ريد واسمه الكامل: جون ريدجون «جاك» سيلاس ريد، صحافيّ وكاتب ومناضل اشتراكي أمريكي، ولد عام 1887 في بورتلاند. خريج جامعة هارفرد، أصبح مراسلَ حرب مع بداية الحرب العالمية الأولى، وُصف كتابه «عشرة أيام هزَّت العالم» بأشهر تحقيق صحافيّ عن ثورة أكتوبر 1917 في روسيا. وأحد أهم المصادر والمراجع عن أحداث الثورة البلشفية.
في مارس 1920، أثناء محاولته العودة بشكل غير قانوني إلى أمريكا، اعتُقل وسُجِن في فنلندا، التي كان نظامها آنذاك معاديًا للشيوعية بشكل عنيف. بعد فترة وجيزة من عودته إلى موسكو، أصيب جون ريد بالتيفوئيد، وتوفيّ بسببه في سن 32.
دفن ريد في جدار الكرملين تثميناً له وإشادة بإبداعه بتوثيق أحداث ثورة أتت بالنظام الاشتراكي لأوَّل مرَّة في التاريخ.
هذا وسبق أن صدر للمترجم فواز طرابلسي عن منشورات المتوسط ترجمتان للفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، هما على التوالي: كتاب "في الوحدة القومية الإيطالية" (طبعة أولى، إصدار 2017)، والذي وصفه المترجم بأنّه «نموذج منهجي نادر لتفكير ماركسي في المسألتين الوطنية والقومية، يأخذ غرامشي خلاله المسافة الكبيرة اللازمة عن نظرية ستالين في المسألة الوطنية والقومية»، بالإضافة إلى أن هذا النّص يضمّ عدداً من أبرز المفاهيم التي بلورها أحد ألمع المفكرين والمناضلين الماركسيين في حياته الغنية والقصيرة والمأساوية.
وكتاب "قضايا المادية التاريخية" (طبعة ثانية، إصدار 2018)، وفيه، حسب مقالة ريجيس دوبريه المعنونة بـ "تصميم لدراسة عن غرامشي"، والتي اختارها المترجم لتكون مدخلا للكتاب؛ «يشرع غرامشي في تعيين طبيعة الماركسية بتمييزها عن النزعة المادّيّة الميكانيكية التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر؛ أي أنه يخوض معركة. ولذا؛ فقد اتسم نشاطه النظري بالسمة السجالية، بالدرجة الأولى؛ كما أن نشاطه العلمي – بوصفه مناضلاً [شيوعياً] – كان يرتكز على هذا النشاط النظري. ويخطئ كل مَن يحاول «تبرئة» بعض صيغ غرامشي النظرية – مهما تكن هذه الصيغ مثيرة للدهشة والاستغراب – بالقول إنها ناجمة عن دوره كمناضل عملي».
فواز طرابلسي: مفكر وسياسي لبناني، ولد عام 1943 في قرية بنت جبيل اللبنانية. من أبرز وجوه الحركة الوطنية اللبنانية، وهو استاذ جامعي يحمل دكتوراه في التاريخ من جامعة باريس. كان أستاذاً زائراً في جامعة نيويورك، وجامعة ميتشيجان، وآن آربور، وجامعة كولومبيا، ونيويورك، وجامعة فيينا. وهو أيضاً زميل في كلية سانت أنتوني، وأكسفورد، وويسنشافتس كوليج، برلين.
ساهم فواز في المشهد السياسي والفكري والاعلامي العربي الراهن، وقد أصدر الكثير من الكتب بين مؤلف ومترجم. تتناول كتبه موضوعات التاريخ، والسياسة، والحركات التحريرية والاجتماعية، والفلسفة السياسية، والمذكرات، والفولكلور، والفن في العالم العربي. وقد ترجم الكثير إلى اللغة العربية (عن الإنكليزية والفرنسية). الآن يشغل منصب أستاذ مساعد في العلوم السياسية والتاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت، ويرأس تحرير مجلة بدايات الفصلية.
المؤلف فواز طرابلسي سيكون في جناح منشورات المتوسط، في معرض بيروت الدولي للكتاب لتوقيع كتبه الأربعة، يوم الاثنين 10 كانون الأول 2018، من الساعة 5 عصراً ولغاية 9 ليلاً.

0 comments:
إرسال تعليق