
جاء رجل من أقباط مصر إلى أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" وكان خليفة المسلمين آنذاك، وشكا له ابن الأمير "عمرو بن العاص" حيث تسابق معه وسبقه، لكنَّ ذلك لم يُعجب ابن "عمرو بن العاص"، وقال له: كيف تسبقني وأنا ابن الأكرمين؟! كيف تسبقني وأبي حاكم البلد؟! وضربه ابن "عمرو بن العاص"، فجاء الفاروق "عمر بن الخطاب" بـ"عمرو بن العاص" وابنه قائلا له قولته المشهورة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ وقال عمر للرجل: اضرب ابن الأكرمين.
أين لنا الآن بالفاروق عمر؟! هل من الممكن أن نرى مثيلا لعمر في هذا العصر البائس، والذي تفشَّت فيه كل ألوان الظلم؟! إننا في أشد صور الاحتياج لعمر في كل مكان حتى في بيوتنا.. إننا بحاجة إلى العدل، "العدل أساس الملك" شعار يرفعه الجميع لكن دون تطبيق فعليٍّ، ولن نتقدم وننعم ببلادنا إلا بالعدل.
أصبحنا نطمع الآن في تطبيق العدل، تخيل –عزيزي القارئ- أننا نطمع فقط في تطبـيـق العدل، أمنيتنا تحقيق العدالة، فلماذا لا يطبقونها من أنفسهم؟! لماذا يحرموننا من أبسط حقوقنا ؟! انظروا إلى دموع البسطاء، تأملوا نظراتهم إلى ما ينعم به شركاء وطنهم الذين منحهم الوطن كل ما يتمنونه، هم يقولون الحمد لله، لكنهم لا يملكون غيرها، ليس في نفوسهم مطمع فيما عند غيرهم لكنهم يـعــاتـبــون ظروف بلادهم التي جعلت منهم طبقة سفلى لا ترقى إلى هؤلاء المسيطرين على ثروات هذا البلد، ومن يمتلكون زمام الأمور ويحرمونهم، ويجعلونهم في فقر وحاجة وعوز لا يستطيعون الفرار منه، فهؤلاء لم أجد في نفسي قولا لهم سوى هذا السؤال البريء: متى استعبدتم الناس؟!
تأملت هذه الجملة جيدا فوجدت بيوتا كثيرة بحاجة إليها، حيث يعتقد بعض الأزواج أنهم استعبدوا زوجاتهم فإذا بهم يتحكمون فيهن بطريقة غير لائقة تولد بداخلهن النفور من هذا الزواج المبني على الاستعباد والإهانة، ويغلب على فكري في هذا الموقف شخصية "نجيب محفوظ" الخالدة "سي السيد" .. ذلك الرجل الذي يحب أن يلهوَ كما يشاء ويفعل كل ما يحلو له خارج المنزل، وإذا جاء إلى بيته يتذكر أن زوجته هذه من الإماء فيعاملها بقسوة وجرح لا نهائي، عزيزي سي السيد: متى استعبدتم الناس؟! فالله الذي خلق الرجال والنساء، وأوصانا بالـمـعــروف تـجــاه الـمــرأة لم يأمـرنا بإهانتهن واستعبادهن!
وإذا تحدثنا عن العمل، فكثيرا ما نجد مديرا يستعبد موظفيه، أو عماله، مهما تنصحه بالمعاملة الحسنة للناس فلا تجد منه إلا كل شر وعنف، حيث يجد هذه الطريقة هي الأصوب في معاملة من جعلهم الله قدرا تحت يديه في العمل حتى يعملوا بضمير.. مع إن كل التربويات الحديثة تؤكد أن المعاملة القاسية لا تولد إلا الفشل والخمول والتهاون في الأعمال.
عندما تكون ذاهبا إلى عملك صباح اليوم وتجد حفلا من رجال الشرطة يوقفون الطريق، فيتبادر إلى ذهنك مباشرة أنَّ هناكَ حادثًا عظيما في الطريق ونبتهل إلى الله وقتها بأن يسترها على الجميع، ثم تأتيك المفاجأة بأنَّ هناكَ مسئولا -غير مسئول- يعبر الطريق، والسؤال الآن: ما مشكلة أن يعبر المسئول الطريق بسيارته الفارهة، في نفس الوقت يسير الطريق؟! ما السر الأمني في ذلك؟! السر هو ظن المسئول أنه ليس هناك مَن لا يعرفه من هؤلاء الناس وهو ظن خاطئ خاطئ خاطئ، سيدي المسئول لو أنك تسير على قدميك وليس بسيارة داكنة الزجاج فلن يعرفك أحد أيضا، إن المصريين سريعو الحفظ للفنانين ولاعبي الكرة وغير ذلك ممن يجذبون القلوب، أما تلك الوجوه التي تغير حياتنا للأسوأ فبمنتهى الصعوبة نعلم أسماءها دون أدنى علم بوجوه أصحابها. عزيزي المسئول: كيف يهون عليك مواطنو بلدك التي تعمل من أجلها أن يقفوا كل هذا الوقت حتى تسير في طريقك وأنت تستمتع برؤية الشوارع والطرق فارغة؟! متى استعبدتم الناس؟!
أعزائي؛ تتعدد صور الاستعباد في المجتمع سواء لحاكم أو مدير أو مسئول أو زوج أو زوجة أحيانا أو حتى في معاملة بعض الزبائن أمام البائعين وغير ذلك من هذه الصور اللاحصرية في مجتمعنا، لكن من المؤكد أنها تشترك جميعا في مدى النقص والتكبر الذي يتولد لدى صاحب هذا المستبد مما يجعله يظن أنه إله على هذه الأرض.
*أحبُّ الاستماع إلى آرائكم قرائي الأعزاء على البريد الإلكتروني الخاص بي
وعلى صفحتي على الفيس بوك بنفس العنوان :
a_ha3im@yahoo.com
0 comments:
إرسال تعليق