في الوقت الذى باتت فيه الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وأحدثت التكنولوجيا الحديثة بأنواعها المختلفة ،تغييراً جذرياً على نظم حياتنا المعيشية ، وأصبحنا لا نستطيع الإستغناء عنها ، لأنها حولت الحياة نحو الأسهل من خلال قضاء الأمور والحاجات بشكل أسرع إلا أنها أحدثت فجوة كبيرة بين الناس على أرض الواقع، وهذا ما يلاحظ في البيت الواحد، فنرى كل فرد من أفراد العائلة ممسكاً هاتفه الشخصي وصانعاً لنفسه عالمه الخاص به .
ومن الطبيعي أن يلجأ الطفل الى الانشغال بوسائل التكنولوجية السريعة من هاتف جوال وأيباد وغيرها من الأجهزة الحديثة لإنشغال الأب والأم بالأجهزة الالكترونية والمواقع المختلفة لشبكة الأنترنت لساعات طويلة ، ونظرا لأن الطفل بطبيعته يحب اللعب والحركة المستمرة، مما جعل الأب والأم يفضلان أن يجلس ابنهما هادئاً يشاهد التلفاز أو حتى يلهو بجهازه الذكي، على أن يسبب ضجيجاً بسبب لهوه أو اللعب داخل البيت، وهما قد لا يدركان الآثار السلبية الناتجة عن مشاهدة أطفالهم للتلفاز لساعات طويلة، أو مشاهدة ما يحلو لهم بهاتفهم المحمول ، إذ يعتادون على ذلك، فيتحول الأمر من مجرد مشاهدة عادية إلى إدمان شديد، مما يسبب مشكلات نفسية لهؤلاء الأطفال لدى ممارسة حياتهم الطبيعية .
وتعتبر مسألة مكوث الأطفال أمام الشاشات سواء التلفزيونية أو الذكية لوقت طويل واحدة من أكبر المشكلات التي يشتكي منها الآباء والأمهات، والتي لا يكاد يخلو منها بيت في مجتمعنا العربي بصفة عامة، تلك العادة السيئة التي تسببت في انطوائية الأطفال ، وفقدانهم لمهارات التعامل والتواصل الاجتماعي مع من حولهم بشكل لائق، بل إنه أصبح الأطفال يتمتعون بسلوك عدواني وعنيف مع إخوتهم وزملائهم فى المدارس بسبب ما يشاهدونه من الألعاب الإلكترونية العنيفة ، ويصبح الطفل دوره غير فعال في الأسرة، إذ إنه لا يشاركها ولا يتفاعل معها، وبالتالي تضعف علاقته بمفهوم الأسرة، كما أن استخدام أجهزة «الآيباد» أو الهواتف النقالة من قبل الأطفال أو حتى الكبار يؤثر سلباً على الترابط الأسري، كما قد يخلق خللاً في شخصية الأطفال تحديداً في حال دخولهم على مواقع مشبوهة في ظل غياب رقابة الوالدين، وقد تصيبهم بالاكتئاب أو تولد لديهم العنف ، أو الإنحراف الأخلاقي ، ويغوصوا في العالم الافتراضي، بما فيه من خيال وأوهام ،ويبتعدوا عن التواصل الواقعي مع الآخرين ، فيصبحون غير مؤهلين للتواصل مع الآخرين اجتماعياً بسبب الإنترنت، وقد يفقدون قدراتهم على إقامة ارتباطات اجتماعية حقيقية.
ورغم خطورة ما ذكرته من سوء استخدام الأطفال والشباب لوسائل الأجهزة الحديثة كالهواتف والأيباد وغيرها من أجهزة الأنترنت ، ومدى تأثيرها على شخصية الطفل ، يأتى لنا الخطر المرعب ليدخل بيوتنا ، ويسيطر على عقول أبناءنا في صورة ألعاب ترفيهية ، ليدق ناقوس الخطر ، ويجلب لنا كوارث في المنطقة العربية لا عهد لنا بها ، ولم نسمع عنها في تاريخنا ولا تقاليدنا ولا أعرافنا ، كالإنتحار ، وعقوق الوالدين ، والأفكار المغلوطة للدين ، والإنحراف الأخلاقي كالشذوذ الجنسي .
فلم يكد العالم ينتهي من تأثير لعبة #بوكيمون_غو الشهيرة وإدمانها من كثيرين، حتى ظهرت ألعاب أخري " كالحوت الأزرق ، ومريم ، وغيرها من الألعاب " التى تخطو جميعها بدفع اللاعبين من الأطفال والشباب نحو الهلاك ، والانتحار أو الإدمان والشذوذ الجنسي ، ولعل عامل الجذب الرئيسي نحو هذه الألعاب من الأطفال ، أو المراهقين، هي انها تؤمن لهم مكاناً إفتراضياً يحاولون إثبات أنفسهم فيه، بعد تغيب دور الأسرة وإنشغال الأب والأم عن أبنائهم، لا سيما لأولئك الأطفال غير المندمجين مع محيطهم، وبعد أن تشعرهم هذه اللعبة بالانتماء وبأنهم أشخاص مهمون وذوو سلطة، تنقض عليهم نحو الهاوية.
لن أذكر طريقة آداء كل لعبة ولا كيفية تحميلها ، فالجميع قرأ وتابع هذا الأمر ، إنما سأكتفي بذكر مخاطر هذه الألعاب والتى تكمن في أمور عدة ابرزها:
--------------------------------------------------------
- قدرة اللعبة على الحصول وجمع معلومات شخصية عن المستخدم، الامر الذي ينتهك خصوصيته، ودخولها الى ملفاته على هاتفه من دون إذن.
- ينصب تخوف البعض على طريقة التعامل مع البيانات والمعلومات الشخصية حيث يتطلب من اللاعب إدخال اسمه الشخصي وعنوان سكنه.
- تحفيز الاطفال والمراهقين على ايذاء انفسهم، بالإضافة الى التأثير على طريقة تفكيرهم، وذلك بالقيام بطلب بعض الأمور التي تعز اللاعب عن العالم الخارجي وتفرض عليه القيام بأمور تتعارض مع تقاليد المجتمع من ناحية، وقد تكون دموية أو عنيفة من ناحية أخرى.
- استخدام رسائل تسويقية خاطئة ومضللة للترويج للعبة.
- دخول اللعبة في متاهات دينية أو سياسية .
مخاوف عديدة تسللت لقلوب الجميع مؤخراً، وتحذيرات ضخمة أطلقتها الجهات المعنية، للتنبيه بخطورة هذه الألعاب التى تنتهى بالانتحار ، أو زعزعة العقيدة ، ولاسيما الإدمان والشذوذ الجنسي .
لكن : يبدوا أننا جميعا نسينا أو تناسينا أن ًبين أيدي أطفالنا هاتف وأنترنت ،في البيت ، وفي الشارع ، وربما في المدرسة ، في كل مكان وفي أي وقت يمكنه أن يزور هذه الألعاب بسهولة، فى ظل غياب الدور الرقابى للأسرة على متابعة الأبناء، وتركهم فريسة سهلة للإنترنت وألعابه، وعالمه الغريب المريب.
جميعنا مقصرون ـ وجميعنا غافلون ،ولا أبرئ نفسى ـ فأنا أول المقصرين والغافلين - عندما قررنا أن نريح عقولنا من إزعاج الأبناء، فتركنا لهم الإنترنت ينغمسون فيه دون أن نراقبهم أو نلتفت إليهم، طالما لا نسمع لهم صوتاً، لا نبالى بما يفعله الأطفال أو الألعاب التى تسرق عقولهم وفكرهم، فكل ما يشغلنا أن نريح أنفسنا من عناء "اسكت يا ولد" و"اسكتى يا بنت".
ونحن العرب : كعادتنا جميعاً، لا نفوق من غفوتنا إلا عندما تقع الكارث ، فنهرول نبحث وندقق فيما يفعله الأبناء، وننسج حولهم أسواراً حديدية، تحت زعم الخوف والقلق، وما أن يهدأ الأمر، حتى نعود مرة أخرى لغفوتنا ونسلم فلذات الأكباد للانترنت يفعل بهم ما يشاء ، والتحذيرات بشأن هذه الألعاب طاولت العديد من البلدان العربية، ودعت التحذيرات لمنع استخدام هذه الألعاب وحظرها.
ولكن يبقى الأهم من ذلك كله وهو مراقبتنا للألعاب التي يتلهى بها أطفالنا ، وفلذات أكبادنا ، ومنعهم من تحميل العاب لا يثقون بها قد تكون خطيرة على صحتهم ومستقبلهم وهويتهم ،وتؤثر في سلوكهم اليومي ، وضرورة العمل على شغل أوقات فراغهم بالقراءة والإطلاع ، ولاسيما ممارسة الرياضة ، وزيارة الأهل والأصدقاء ، فالتوعية والمراقبة من الأهل هما الحل الأمثل لمنع الأطفال والمراهقين من الدخول في هذا العالم المريب..

0 comments:
إرسال تعليق