لفت
انتباهى (بوست) كتبه الصديق العزيز الأستاذ المفضال/ محمد عوض شبارة عن(الدراما
المصرية)وكنت منذ فترة وتحديدا بعد آخر خطاب للرئيس الجمهورية والذى أشار فيه إلى
أهمية الدراما المصرية فى تشكيل وجدان المجتمع..وقال نصا للحضور(مش لازم ضابط
المباحث يطلع فى المسلسل يشرب سجائر ).
اخذتنى
مشاغلى وتناسيت كتابة مقال عن تلك الظاهرة حتى ايقظها صديقنا الغالى محمد عوض
شبارة .
ففى
البداية أقول ؛ ليست الدراما المصرية-سينما وتليفزيونا وإذاعة-فنا عابرا، بل قوة
ناعمة شكلت الوجدان، وربت الذائقة، وكانت يوما مدرسة أخلاق بقدر ما كانت مساحة
متعة. غير أن تلك الظاهرة أخذت تتكرس في السنوات الأخيرة، حتى صارت نمطا لا
استثناء..دراما التبرير؛ حيث يقدم الخطأ في ثوب المظلومية، وتغسل الخطيئة بماء
الظروف، ويطلب من المشاهد-ضمنيا-أن يتعاطف مع الجريمة لأنها (مفهومة).
فمثلا
؛هي تمارس الفاحشة لأن أمها مريضة، أو لأن الفقر حاصرها.
وأخرى؛
تخون زوجها لأنه أكبر سنا، أو لأن الزواج كان قسرا.
وثالثة؛
تعصي والديها وتهرب مع العشيق لأن (الحب أقوى من كل شيء).
وهي
تختلي بحبيبها وتسلمه نفسها بلا زواج لأنها (تثق به).
وهو يعق
أباه لأن الأب قصر يوما.
شخصيات
تتكرر، وسيناريوهات تعاد، ورسالة واحدة تمرر بنعومة؛ (الذنب نتيجة منطقية للظرف). هنا
لا يعود الحرام حراما، بل (اختيارا مؤلما)، ولا تبقى الخطيئة خطيئة، بل (حلا
اضطراريا). وهكذا، شيئا فشيئا، يعاد تشكيل البوصلة الأخلاقية، لا بالتصريح، بل
بالتعاطف.
فالفن
حين يسقط المسؤولية الفردية، ويجعل الإنسان دمية في يد الظروف، لا يقرأ الواقع
بعمق، بل يختزله. فالظروف قاسية ..نعم، لكنها ليست شيكا على بياض للانحراف. الدراما
التي تفرغ الإنسان من قدرته على المقاومة، وتصور الاستقامة سذاجة، والالتزام
تخلفا، إنما تهدم جوهر الرسالة الفنية نفسها.وليس أخطر من أن يرى المشاهد-مرة بعد
مرة-السارق ضحية، والزانية مسكينة، والعاق مجروحا، دون ميزان واضح بين الفهم
والتبرير، وبين التفسير والتسويغ. عندها يلين الحاجز النفسي، وتطبع المخالفة،
ويصير الندم متأخرا بعد أن تهدم البيوت وتضيع الأخلاق.
يقول
الله عز وجل"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي
الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".
ليست
المشكلة في طرح القضايا الشائكة، ولا في الاقتراب من مناطق الألم، فالفن الحقيقي
يطرق المسكوت عنه. المشكلة أن يتحول الطرح إلى تطبيع، وأن يغيب ميزان القيم، وأن
يصاغ التعاطف على حساب الحق. المسلسلات-محلية كانت أو مستوردة، مترجمة أو مدبلجة-حين
تنفصل عن قيم الدين والمجتمع، لا (تعكس الواقع) بل تعيد تشكيله على نحو مائل.
هنا
يقول رب العزة "وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا"
هنا
تتبدى المفارقة ؛دراما تميل، ودين يقوم. دراما تفتح أبواب الشهوة باسم الحرية،
ودين يفتح أبواب التوبة باسم الرحمة. فأين يقف الفن؟ وأي طريق يختار؟
المعالجة
الاجتماعية والدينية لا تعني الحجر على الإبداع، بل ترشيده. أن نقدم الواقع كما
هو، دون تزييف، لكن مع إبراز العاقبة، وإعادة الاعتبار لفكرة الاختيار والمسؤولية.
أن نظهر الألم دون أن نقدسه، وأن نفهم الخطأ دون أن نشرعنه. أن تعود الدراما ساحة
سؤال لا منصة تبرير.
الأسرة،
والمؤسسة التعليمية، والجهات الرقابية، وصناع الدراما أنفسهم، شركاء في إنقاذ
العقد الاجتماعي من الانفراط. فالفن الذي لا يحرس القيم، يترك البيوت بلا حراسة،
والوجدان بلا سياج.
ليست
الدعوة إلى إطفاء الشاشة، بل إلى إضاءة الضمير. فالفن العظيم لا يصنع ديانة في
البيوت، ولا يهادن الخطأ، بل يوقظ الإنسان على إنسانيته، ويذكره-وسط العتمة-بأن
الطريق إلى النور ممكن، وأن الفضيلة ليست ضعفا، بل شجاعة.

0 comments:
إرسال تعليق