قصة الضربة الأمريكية الجديدة لإيران تحولت عبر أسابيع إلى مزاد توقعات لا تنتهى ، واختلفوا حول موعد توجيه الضربة الموعودة ، بين من قالوا أنها ستحدث بعد ثوان أو خلال ساعات ، أو أنها لن تحدث أبدا ، أو أنه قد يجرى استبدالها إلى حصار بحرى طويل المدى لشواطئ إيران ، ومنع تصدير البترول الإيرانى إلى الصين ، والأقرب للظن عند كاتب هذه السطور ، أن الضربة إياها حادثة حادثة ، ولأسباب أهمها سلوك الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" ، الذى حشر نفسه فى الزاوية الضيقة ، وأفرط فى تصريحاته وتهديداته بتحطيم النظام الإيرانى ، وسوق المرشد الإيرانى "على خامنئى" إلى مصير مشابه لما جرى للرئيس الفنزويلى المختطف "نيكولاس مادورو" ، وأحاديثه الملتبسة عن سلاح أمريكى سرى حسم الأمر فى عملية "الحسم المطلق" بفنزويلا ، وشل الدفاعات الجوية للجيش الفنزويلى وقتل حرس "مادورو" فى غمضة عين ، ربما فى إشارة ظاهرة إلى الدفاعات الجوية الصينية والروسية فى إيران ، وأنها لن تنفع ولا تمنع اغتيال أو خطف "خامنئى" ، ثم راح "ترامب" يكرر تصريحاته عن تدفق الأساطيل الأمريكية إلى قرب إيران ، وتصعيده للضغط النفسى على قادة النظام الإيرانى ، وتأكيده على القوة الكاسحة لحاملات الطائرات "إبراهام لينكولن" وأخواتها فى المنطقة ، وما يصحبها من مدمرات وغواصات وقاذفات شبحية وصواريخ "توماهوك" وغيرها ، إضافة لاستعدادات دفاعية هائلة فى دولة عربية مشرقية مجاورة لكيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، بعد أن سارعت دول الخليج تباعا إلى إعلان عدم نيتها التورط بالحرب الجديدة ، وربما منع واشنطن من استخدام الأجواء والقواعد فى الخليج ، وهو ما رحبت به إيران رغم عدم التأكد من الجدوى أو الفاعلية ، ورغم استمرار "ترامب" فى مواصلة ألعابه الخداعية المكشوفة .
وقد لا يعقل أن تنخدع إيران هذه المرة أيضا ،
فقد بدأت حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما فى ذات اللحظة التى كان فيها حديث
أمريكى "ترامبى" عن استمرار التفاوض مع إيران حول البرنامج النووى ، بل
وقبل 48 ساعة من جلسة تفاوض كانت مقررة بين مبعوث البيت الأبيض "ستيف ويتكوف"
و"عباس عراقجى" وزير الخارجية الإيرانى ، وهو ما يكرره "ترامب"
هذه المرة أيضا ، ويواصل الادعاء بوصول رسائل ملحة من طهران تطلب التفاوض ، وهو ما
نفاه "عراقجى" بوضوح ، ليس لأن طهران ترفض الحوار والتفاوض مع
الأمريكيين من حيث المبدأ ، بل لأن إيران ليست مستعدة لتجاوب مع الشروط الأمريكية
القطعية المعلنة ، وبينها وقف البرنامج النووى تماما ، وتسليم كميات اليورانيوم
المخصب بنسبة 60% أو أكثر ، وتجميد البرنامج الصاروخى ، وكلها شروط تعجيز بلا
قابلية للتفاوض عليها من وجهة النظر الإيرانية ، والتسليم بها افتراضا ، يعنى ـ
ببساطة ـ نهاية النظام الإيرانى بغير حاجة إلى طلقة نيران ، والنظام الإيرانى ليس
غبيا ، ولا يبدو راغبا فى الذهاب لطريق الاستسلام ، ولا التفريط بمكاسبه المنظورة
فى أزمة الأسابيع الأخيرة ، فقد نجح فى إخماد حرائق الاحتجاجات الشعبية الأخيرة
وإن بتكلفة دموية باهظة ، وفى كشف بؤس توقعات "ترامب" الذى حرض
المتظاهرين على احتلال مؤسسات الدولة الإيرانية ، وتحدث عن مساعدة أمريكية عاجلة
لم تصل أبدا ، واحترقت آماله فى تأجيج انتفاضة إيرانية "مسلحة" تسقط
نظام المرشد الإيرانى ، وراوغ نفسه وجمهوره بكلام مرسل عن توقف الإعدامات فى إيران
، رغم أن مشانق إعدامات الجواسيس لم تتوقف ، وأحدثها إعدام "حميد رضا
إسماعيلى" بتهمة التجسس لحساب الأمريكيين و"الإسرائيليين" .
وربما نجازف بتوقع فشل الضربة الأمريكية "الإسرائيلية"
الجديدة ، رغم التسليم بوصول الحشد العسكرى الأمريكى إلى منتهاه فى المنطقة ، ورغم
افتراض راجح بإمكانية حدوث وتوالى مفاجآت حربية ، واستخدام أسلحة أمريكية فتاكة
جديدة ، وتدبير ونجاح عمليات اغتيال لمسئولين عسكريين ومدنيين وعلماء إيرانيين
كبار ، بينهم قادة نجوا من الاغتيالات فى حرب الإثنى عشر يوما ، إضافة لاحتمال
حدوث قصف شبه نووى ، قد يطال مواقع وقواعد إضافية فى "بارشين" وغيرها ،
وبدون توقع لتحقيق الضربات المستجدة لأهدافها كاملة ، فلن يسقط النظام الإيرانى
غالبا حتى لو اغتالوا المرشد ، وللنظام قاعدة شعبية مؤثرة لاتزال رغم تعدد وتكاثر
فئات المعارضين والمتمردين لأسباب عرقية واجتماعية ، ورغم وجود اختراقات
استخباراتية مفزعة ، وإمكان حدوث "عمليات كوماندوز" أمريكية خطيرة
بتواطؤ محلى من الداخل الإيرانى ، وكل ذلك ونحوه قد لا يفيد كثيرا فى الحالة
الإيرانية ، ما دام الغزو البرى الأمريكى الواسع ليس واردا ، ويخشى "ترامب"
تكلفته الدموية على الأمريكيين ، فلم ينجح أى غزو أمريكى أبدا منذ نهاية الحرب
العالمية الثانية ، وكانت النتائج المرئية خسرانا مبينا لأمريكا من "فيتنام"
حتى "أفغانستان" ، وحتى فى حرب العراق ، التى ذهب حصاد الغزو الأمريكى
فيه لصالح إيران أكثر من واشنطن ، التى لا تزال تعانى من تضخم النفوذ الإيرانى فى
العراق إلى اليوم ، على طريقة إعلان "ترامب" مؤخرا رفض ترشيح "نورى
المالكى" لرئاسة وزراء العراق مجددا ، و"ترامب" يفضل الاعتماد
الأمريكى على تكتيك الضربات السريعة الخاطفة بديلا عن الحروب الطويلة المعقدة ،
وهو على الأرجح ما سيفعله مع إيران هذه المرة أيضا ، ربما على نحو أقرب لما جرى فى
حرب الإثنى عشر يوما ، التى بادر "ترامب" إلى وقف نيرانها ، ولجأ
للتعامى عن نتائجها الفعلية ، وإطلاق تهويمات ودعايات مكذوبة ، وأعلن عن محو
البرنامج النووى الإيرانى فى عملية "مطرقة منتصف الليل" ، ثم بعد أن
أعلن محو البرنامج ، يعود بعد شهور للمطالبة بوقف البرنامج الذى أعلن محوه بالكامل
(!) .
ويبدو أن لعنة الكذب لا تتوقف عن ملاحقة "ترامب"
، حتى بعد تباهيه بمحو نظام "مادورو" بعد عملية الخطف الهوليوودية ، فقد
عادت تقارير المخابرات الأمريكية إلى التحذير من سلوك "ديلسى رودريجيز" التى
تولت رئاسة فنزويلا بغياب قائدها "مادورو" ، وكرر وزير الخارجية
الأمريكى "ماركو روبيو" ذات التحذيرات ، وتوالت الاتهامات على الرئيسة
الجديدة ، التى أشاد بها "ترامب" مرات ، وأثنى على طاعتها الحرفية
لأوامر واشنطن ، بينما تشكو الدوائر الأمريكية من تباطؤ "رودريجيز" فى
تنفيذ أوامر قطع العلاقات مع روسيا والصين وحتى إيران ، وشئ من خيبة "ترامب"
الواردة فى فنزويلا ، بدا قابلا للتكرار الملموس فى قضية جزيرة "جرينلاند"
القطبية الشمالية ، فقد أعلن مرارا وبصخب عن هدف الاستحواذ على كامل "جرينلاند"
بالغزو العسكرى أو بالشراء ، ورفع عروضه المالية من مئة ألف لكل مواطن فى الجزيرة
إلى مليون دولار ، ورفض أهل الجزيرة ـ 57 ألف نسمة ـ كل عروض واشنطن المالية ،
وفضلوا الإبقاء على وضعهم الحالى المرتبط بالدانمارك على اكتساب الجنسية الأمريكية
، وكانت محصلة تهديدات "ترامب" وإغراءاته مخيبة لظنونه الأولى ، فقد أدت
تصريحاته المستفزة إلى غضب طافح فى الدانمارك وعند حلفاء واشنطن الأوروبيين ، وبما
اضطره إلى قبول عروض أقل كثيرا مما رغب فيه وأعلنه بثقة مفرطة ، قوامها أن تبقى
السيادة فى "جرينلاند" لأهلها وحكومتها ودولة الدانمارك ، ومقابل توسع
إضافى فى النشاط العسكرى الأمريكى على أراضى الجزيرة الثلجية الواسعة ، وهو ما لا
يؤسس لوضع انتقال السيادة الذى طلبه "ترامب" ، الذى اضطر لسحب تهديداته
بغزو الجزيرة ، وقبل اقتراح التوسع بتطبيق اتفاقية 1951 ، التى لا تمانع أصلا فى
توسيع نطاق التواجد العسكرى الأمريكى فى سياق عمل حلف شمال الأطلنطى "الناتو"
.
وإذا لم تنجح الضربة الأمريكية فى إسقاط
النظام الإيرانى القائم ، فسوف يعد ذلك انتصارا مرجحا لإيران ، التى قد تنفذ
تهديداتها بضربات صاروخية موجعة للكيان "الإسرائيلى" ، أو بالإغلاق
المؤقت لمضيق "هرمز" ، أو بدفع حلفاء طهران فى اليمن أو فى لبنان
لمهاجمة "إسرائيل" ، ولو جرى ذلك ستكون النتيجة هزيمة مدوية مضافة
للأمريكيين ، وإسقاطا لاعتبار "ترامب" حتى فى الداخل الأمريكى ، خصوصا
أن عهد رئاسته الثانية مهدد بفشل تتعاظم نذره ، فقد لا يفوز حزبه الجمهورى ـ على
الأرجح ـ فى انتخابات التجديد النصفى المقبلة لمجلسى الكونجرس أوائل نوفمبر المقبل
، مع تزايد غضب الجمهور الأمريكى من تجاوزات وكالة الهجرة والجمارك ، ومن جرائمها
الدموية كما جرى مؤخرا فى ولاية "مينيسوتا" وفى مدينة "مينيابوليس"
بالذات ، إضافة لإخفاق "ترامب" الحاصل والمتوقع فى عملياته العسكرية
الخارجية ، وفى حروبه التجارية العالمية ، وجولات معاقبة الآخرين بالزيادات
الجنونية فى التعريفات الجمركية ، التى وصلت لذروتها فى المواجهة الاقتصادية
والتجارية مع الصين ، التى استفادت من حماقات "ترامب" وفظاظاته فى
التعامل مع حلفاء واشنطن التاريخيين ، وحققت الصين فائضا تجاريا بالسنة الأخيرة فى
التعامل مع أمريكا نفسها بلغت قيمته 295 مليار دولار ، وفتحت أسواقا جديدة بلغ حجم
تجارتها فيها إلى ثلاثة تريليونات دولار خلال عام 2025 ، وزادت فوائضها التجارية
إلى 1200 مليار دولار ، ربما ببركة سياسات "ترامب" الخرقاء .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق