• اخر الاخبار

    الأحد، 22 فبراير 2026

    رمضان: شهرُ المحبة والإيمان..بقلم :محمد فتحى السباعى

     


    يأتي رمضان كلَّ عامٍ لا بوصفه تاريخًا في الروزنامة، بل بوصفه حالةً حضاريّةً تُعيدُ ترتيبَ العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الجسدِ ومعناه، وبين المجتمع وروحه. هو شهرٌ تتقاطع فيه العبادةُ مع الأخلاق، والاقتصادُ مع الكرم، والوقتُ مع القصد، فينشأ فضاءٌ رمزيٌّ خاصٌّ تتبدّل فيه الأولويّات، ويُعاد تعريفُ “الحاجة” و“الكفاية” و“الخير”.

    البعدُ الروحي: من الامتناع إلى الارتقاء

    الصيام في جوهره ليس مجرّد كفٍّ عن الطعام والشراب؛ إنّه تمرينٌ مقصودٌ على سيادة الإرادة، وتربيةٌ دقيقةٌ على تأجيل اللذّة. تُشير دراساتٌ في علم النفس السلوكي إلى أنّ ضبط الدوافع يعزّز ما يُسمّى “التحكّم التنفيذي”، أي قدرة الإنسان على إدارة رغباته وتوجيهها نحو أهدافٍ أسمى. في رمضان، يتحوّل الامتناع إلى سلّمٍ للصعود: يتخفّف الجسد، فيقوى الصوتُ الداخلي، ويصفو الإدراك، وتغدو العبادةُ فضاءً لإعادة المعنى إلى الحياة اليوميّة.

    القيامُ والتراويحُ ليسا زيادةً في الحركة فحسب، بل زيادةٌ في الحضور. حين يقوم الإنسان في ليلٍ هادئ، ينسحبُ الضجيجُ الاجتماعيّ، وتتكثّفُ لحظةُ المناجاة. يتشكّل ما يمكن تسميته “اقتصاد الصمت”: صمتٌ يُنتج يقينًا، ويُعيد ترتيبَ الأولويّات على مقياس البقاء الحقيقيّ لا الاستهلاك العابر.

    القرآن: نصٌّ يقرأ قارئه

    في رمضان يتضاعف التعلّق بالقرآن؛ لا لأنّه يُتلى أكثر فحسب، بل لأنّ الوجدان يكون مهيّأً لتلقّيه. القراءة هنا ليست نشاطًا ذهنيًا فقط، بل تجربةً انعكاسيّة: النصّ يقرأ قارئه، ويُظهر له مواطنَ النقص والرجاء. يتبدّى القرآن كمرآةٍ أخلاقيّة؛ كلّما اقترب المرء منها رأى صورته أوضح، ورأى إمكاناته أوسع. هذا التفاعل يعزّز ما يسمّيه الباحثون “المعنى المتعالي”؛ أي الإحساس بأنّ للحياة مقصدًا يتجاوز اليوميّ والعابر.

    البعدُ الاجتماعي: هندسةُ العطاء

    يُظهر رمضان قدرةً فريدة على تحريك شبكات التضامن. ترتفع معدّلات الصدقات، وتنتظم موائد الإفطار الجماعيّة، وتتشكّل مبادراتٌ أهليّة تُعيد توزيع الموارد ولو مؤقّتًا. هنا يتجلّى مفهوم “الاقتصاد الأخلاقي”: حيث لا تُقاس القيمةُ بالسوق وحده، بل بقدرة المجتمع على رعاية أضعف أفراده. الرغيفُ يصير رسالة، وكأسُ الماءِ اعترافًا بالإنسانيّة المشتركة.

    حتى الطقس البسيط، كالإفطار على تمرٍ ولبن، يختزن دلالةً رمزيّة: عودةٌ إلى البساطة الأولى، ومصالحةٌ بين الجسد وروحه بعد يومٍ من الصبر. إنّه درسٌ في أنّ الكفايةَ قد تكون أعمق أثرًا من الوفرة.

    الزمنُ في رمضان: إعادةُ توزيعِ المعنى

    يتغيّر إيقاعُ اليوم؛ الليلُ يُستعاد، والسَّحرُ يُستثمر، والنهارُ يُعاد تعريفُه. هذه “إعادة هندسة الوقت” تمنح الإنسان فرصةً لإعادة تقييم عاداته. تشير بحوثٌ في علم الاجتماع الديني إلى أنّ الطقوس الموسميّة تُحدث “قطيعةً مؤقّتة” مع الروتين، ما يتيح إمكان مراجعة الذات وتبنّي عاداتٍ جديدة. لذلك يغدو رمضان مختبرًا سنويًا لإعادة تشكيل السلوك.

    التحوّل الداخلي: خفّةُ الروح

    من يدخل رمضان بصدقٍ يخرج منه بخفّةٍ ملحوظة؛ كأنّ أثقالًا غير مرئيّة قد أُزيحت. ليس لأنّ الواقع تغيّر جذريًا، بل لأنّ زاوية النظر تبدّلت. يتدرّب الإنسان على الامتنان، فيرى النِّعَم الصغيرة، ويتدرّب على الصبر، فيرى الامتحان فرصةً للنضج. وهنا يتحقّق “التفرّد” الحقيقيّ: أن يصير لكلّ فردٍ رمضانُه الخاص، تجربته التي لا تُشبه غيرها، ومكاسبه التي لا تُقاس بميزان غيره.

    خاتمة

    رمضان ليس شهرًا يُضاف إلى العام، بل مقامٌ يُضاف إلى القلب. هو مدرسةٌ مكثّفة في الرحمة والعطاء والحبّ، وفيه تتلاقى العبادةُ مع العلم، والطقسُ مع التحليل، والروحُ مع المجتمع. ومن أحسنَ الإصغاءَ لندائه، أدرك أنّ الصيام ليس فراغًا، بل امتلاء؛ وليس حرمانًا، بل تحريرًا؛ وأنّ الإنسان، حين يتهذّب جوعه، يُزهرُ معنى.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: رمضان: شهرُ المحبة والإيمان..بقلم :محمد فتحى السباعى Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top