حين يتحول الصيام إلى مشروع وطن ..ليس رمضان
عبادة فردية تُؤدَّى فى صمت، بل روحٌ عامة إذا سرت فى الناس تبدّل وجه المجتمع
كله.
فالصائم
الحقيقى لا يكتفى بأن يُمسك عن الطعام، بل يُمسك عن الأذى، ويُفطر على الرحمة،
ويبيت وقلبه مشغول بغيره كما هو مشغول بنفسه.
فى هذا
الشهر تتبدل ملامح الشوارع قبل أن تتبدل ملامح الوجوه.
موائد
تمتد، وأيادٍ تُعطى، وقلوبٌ تلين بعد قسوة العام الطويل. وكأن رمضان يوقظ فى
المجتمع ضميرًا كان ينتظر لحظة التنبيه.
لكن
الحقيقة التى يجب أن ننتبه لها:
رمضان
لا يصنع مجتمعًا متراحمًا وحده… نحن الذين نصنع ذلك بروحه.
لقد
علمنا الصيام أن الجوع ليس رقمًا فى تقرير، بل إحساسٌ يطرق الأحشاء.
ومن ذاق
الجوع ساعاتٍ، هان عليه أن يمد يده بالخير أيامًا.
وهنا
تتحول العبادة من طقسٍ فردى إلى مشروع إنسانى واسع.
المجتمع
المتراحم لا يُبنى بالخطب وحدها، بل بسلوك يومى بسيط:
حين
يخفف التاجر على الناس ولا يستغل الموسم.
حين
يراعى الموظف حاجات البسطاء.
حين
يفسح السائق الطريق، ويكفّ الغاضب لسانه، ويستر القادر محتاجًا دون ضجيج.
رمضان
مدرسة عملية للأخلاق العامة، لا دروسًا نظرية تُنسى بعد العيد.
فإن خرج
المجتمع من الشهر كما دخله—بقسوة التعامل، وغلظة القول، وارتفاع الأسعار، وانتشار
الأنانية—فقد ضاعت الحكمة من الصيام.
وفى زمن
الثورة التكنولوجية، لم تعد الرحمة مقصورة على الحى والشارع، بل امتدت إلى الفضاء
الرقمى.
كلمة
تُكتب قد ترفع إنسانًا أو تكسره، منشور قد يُصلح أو يُفسد، شائعة قد تُطمئن أو
تُرعب.
ومن هنا
يصبح الصيام الرقمى ضرورة موازية للصيام التقليدى:
صيام عن
التنمر،
صيام عن
نشر الشائعات،
صيام عن
تتبع العثرات،
وصيام
عن قسوة الكلمة خلف الشاشات.
إن المجتمع
الذى ينجح فى تهذيب سلوكه فى رمضان، يضع قدمه على طريق النهضة الحقيقية.
فالأوطان
لا تبنيها المشروعات وحدها، بل تبنيها القيم التى تحكم سلوك الناس فى الشارع قبل
المؤسسات.
فلنجعل
من هذا الشهر الكريم موسمًا لإحياء خلق الرحمة فى معاملاتنا اليومية،
ولنُحوِّل
الصيام من عبادة وقتية إلى منهج حياة.
اللهم
ازرع الرحمة فى قلوبنا، وأصلح مجتمعنا، واجعل رمضاننا باب خيرٍ واسع.
اللهم
احفظ مصرنا الغالية، وأدم عليها روح التكافل والمحبة، واصرف عنها كل سوء وبلاء.
وإلى
اللقاء فى المقال الخامس من سلسلة
«رمضان…
حين يعود القلب إلى الحياة» 🌙

0 comments:
إرسال تعليق