أُسدل الستار، ونفذ الحكم، وانتهت رحلة نورهان فى الدنيا،
لكن الحكاية لم تنته. فهناك أسئلة ما زالت معلقة فى عنق المجتمع كله، وأسرة تحولت إلى
أطلال، وأم دفعت حياتها ثمنا لجرائم لم ترتكبها سوى أنها أرادت أن تكون أما.
لسنا هنا بصدد الاعتراض على أحكام القضاء، فالقضاء قال كلمته،
والعدالة أخذت مجراها. لكننا نقف مذهولين أمام هذا المشهد الذى يكاد العقل يعجز عن
استيعابه.
كيف تتحول فتاة فى مقتبل العمر، منحها الله الجمال والشباب،
إلى أداة فى جريمة بهذا القدر من القسوة؟ كيف يتحول القلب الذى خلق للرحمة إلى حجر
لا تهزه صرخات أم تحتضر؟ وكيف يصبح العاشق شيطانا يقود إلى الهاوية بدلا من أن يكون
طريقا إلى الحياة؟
المأساة لم تبدأ ليلة الجريمة، بل بدأت قبلها بسنوات، يوم
غاب الضمير، وضعفت الرقابة، وتراجع دور الأسرة، وأصبح بعض الشباب يتلقون قيمهم من الشارع
ومن شاشات لا تعرف الحلال من الحرام.
كانت العلاقة الآثمة بداية الطريق. علاقة قامت على التمرد
والخداع، ثم تحولت إلى شهوة عمياء، ثم إلى مؤامرة، ثم إلى جريمة هزت الضمائر.
تخيلوا المشهد الذى تقشعر له الأبدان..
ابنة تفتح الباب لعشيقها. تستقبله لا كغريب اقتحم بيتا، بل
كضيف جاء لتنفيذ مهمة متفق عليها. تعد له الطريق، وتسقط كل الحواجز التى وضعها الله
بين الإنسان والجريمة. يدخل إلى غرفة الأم التى ربما سهرت الليالى من أجل ابنتها، وأطعمتها
من قوتها، وضحت بعمرها كى تكبر.
ثم تبدأ لحظات الجحيم.
اعتداء وحشى، وضرب متواصل، وأم تطرح أرضا تستغيث فلا تجد
مغيثا. وبينما كانت تتلقى الضربات القاتلة، كانت تنتظر من ابنتها كلمة رحمة، نظرة شفقة،
دمعة ندم، لكنها لم تجد شيئا.
حتى فى لحظات الاحتضار، حين طلبت الأم جرعة ماء تخفف عنها
آلام الموت، لم تجد من ابنتها سوى الجفاء والقسوة.
يا الله..
أى ظلام يمكن أن يصل إليه الإنسان حتى يرى أمه تموت أمامه
فلا يتحرك فيه عرق من الرحمة؟
إن الجريمة هنا لم تكن قتلا فقط، بل كانت سقوطا مدويا لكل
المعانى الإنسانية. كانت إعلانا مفزعا عن قدرة الشهوة المنفلتة على تحويل الإنسان إلى
كائن لا يرى إلا رغباته.
نورهان نالت جزاءها فى الدنيا، ويبقى حساب الآخرة عند رب
العالمين. لكن القضية أكبر من شخص واحد. القضية هى كيف وصل بعض أبنائنا إلى هذه المرحلة
من التبلد العاطفى والانفصال الأخلاقى؟ كيف أصبح البعض مستعدا للتضحية بأسرته ومستقبله
ودينه من أجل علاقة عابرة؟
أما ذلك الفتى الذى شارك فى الجريمة، فإن خطورته لا تكمن
فى عمره الصغير، بل فى حجم الفعل الذى ارتكبه. فالعمر وحده لا يخفف من بشاعة ما حدث.
لقد كشفت الواقعة عن عقلية تشبعت بالعنف والقسوة إلى حد مخيف، وهو ما يفرض على المجتمع
ومؤسساته التربوية والدينية والنفسية أن تتعامل مع مثل هذه النماذج بأقصى درجات الجدية
والحزم وفق القانون.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ إننا أمام جرس إنذار مدو.فالبيوت
لا تهدم فجأة، وإنما تتآكل لبنة بعد أخرى. والقيم لا تسقط فى يوم واحد، وإنما تتراجع
عندما نصمت عن الخطأ الصغير حتى يتحول إلى كارثة.
رحم الله تلك الأم التى دفعت حياتها ثمنا للخيانة، وألهم
كل أب وأم أن يتمسكوا بأبنائهم قبل أن تخطفهم طرق الضياع، فليس أخطر على المجتمع من
جيل يفقد بوصلته الأخلاقية، لأن سقوط الأخلاق هو المقدمة الحقيقية لسقوط كل شىء.

0 comments:
إرسال تعليق