في قضاء
المجر الكبير، حيث تتهادى مياه دجلة بهدوءٍ عريق، وتتشابك تفاصيل الحياة البسيطة
مع عمق التاريخ، وُلدت البدايات الأولى لحكايةٍ ملهمة. هناك، حيث النخيل يروي قصص
الصبر، والأرض تعلّم أبناءها معنى الانتماء، تشكّلت ملامح الطفولة، وتكوّنت بذور
الطموح الأولى. لم يكن المكان مجرد مسقط رأس، بل كان مدرسةً للحياة، غرست في النفس
قوة الإرادة، وأهدت لصاحبها روحًا لا تعرف التراجع، ليبدأ من تلك البيئة الأصيلة
طريقًا نحو آفاق العلم الواسعة.
وُلد
الدكتور أحمد إبراهيم الجبير في محلة البدراوي بقضاء المجر الكبير، وعلى ضفاف نهر
دجلة تحديدًا، حيث نشأ وترعرع بين أهله وبيئته التي صقلت شخصيته. بدأ مسيرته
التعليمية في مدرسة الإخاء، ثم واصل دراسته المتوسطة والإعدادية في الفرع الزراعي،
في انعكاسٍ واضح لصلته الوثيقة بالأرض وجذوره الجنوبية.
ومع
اتساع آفاق طموحه، التحق بكلية الإدارة والاقتصاد، ليؤسس لمرحلة جديدة من حياته
العلمية. غير أن شغفه بالمعرفة دفعه إلى خوض تجربة أوسع، فسافر إلى فرنسا عام 1979،
حيث كانت الانطلاقة الحقيقية نحو التميز الأكاديمي. في جامعة مونبلييه، حصل عام 1982
على شهادة في القانون، ثم نال خلال الأعوام 1983–1984 الدكتوراه في السياسة
والعلوم، وأتبعها بالدكتوراه في القانون الخاص خلال الأعوام 1985–1986. ولم يكتفِ
بذلك، بل واصل رحلته في جامعة السوربون، حيث حصل خلال الأعوام 1989–1990 على
الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، ليجمع بين تخصصات متعددة قلّ أن تجتمع في مسيرة
واحدة.
أما في
مسيرته الأكاديمية، فقد تنقل بين عدد من الجامعات، حاملًا علمه وخبرته إلى أجيالٍ
متعددة. عمل عضوًا تدريسيًا في جامعة المستنصرية في كلية الإدارة والاقتصاد، كما
عمل في جامعة عجمان في تخصص القانون، وكذلك في جامعة العين. وامتدت خبراته إلى
خارج الوطن العربي، حيث عمل في جمهورية ليبيا، وفي جامعة بوريس في مملكة السويد،
ما أضفى على تجربته بعدًا دوليًا مميزًا. وتوّج هذا المسار بتوليه رئاسة قسم
العلوم السياسية في جامعة الجزيرة في دبي، حيث أسهم في بناء أجيال من الطلبة
وتعزيز الحركة الأكاديمية. وقد ألف العديد من المؤلفات التي لها الفضل الكثير على بعض الدول التي تواجد بها لاسيما
مؤلفه مبادئ القانون الخاص الإماراتي حيث يعد الجبير بمثابة العقل المؤسس له.
ولم
يقتصر عطاؤه على التدريس، بل كان له دور بارز في الإشراف العلمي، إذ أشرف على
العديد من الدراسات، ولا سيما دراسات طلبة الدراسات العليا في معظم الجامعات التي
عمل بها، مسهمًا في إعداد كوادر علمية متميزة. كما نشر العشرات من البحوث في
مجالات متعددة، عكست عمق معرفته وتنوع اهتماماته. ونال تقديرًا واسعًا لجهوده،
فحصل على العديد من الشهادات التقديرية من جامعات مختلفة، تكريمًا لإسهاماته
الفاعلة في الأنشطة العلمية والأكاديمية.
وفي
الختام، تبقى سيرة الدكتور أحمد إبراهيم الجبير شاهدًا حيًا على أن البدايات
البسيطة يمكن أن تصنع مسارات عظيمة، وأن من ينطلق من جذورٍ أصيلة، ويحمل في قلبه
طموحًا صادقًا، قادرٌ على بلوغ أعلى مراتب العلم والنجاح. إنها رحلة بدأت من جنوب
العمارة، من ضفاف دجلة، لكنها امتدت لتلامس فضاءات العالم، تاركةً أثرًا لا يُنسى
في ميادين المعرفة والعطاء.

0 comments:
إرسال تعليق