المشهد الأول
" الصلاة خير من النوم"
كان الليل يطوي آخر عباءاته فوق قرية القراقرة التابعة لمركز
منيا القمح بمحافظة الشرقية.
هدوء ثقيل يلف البيوت الطينية والحقول الممتدة، والنجوم تتناثر في السماء كحبات قمح
أضاعها فلاح عجول.وفجأة انطلقت المآذن من كل ناحية؛ "الصلاة خير من النوم.. الصلاة
خير من النوم."
تسللت الكلمات إلى الأزقة الضيقة، فاهتزت لها النوافذ الخشبية
القديمة، واستيقظت القرية على وعد يوم جديد.
فتحت سهام البسيوني عينيها قبل أن يكتمل الفجر. اعتادت أن
تستيقظ قبل الجميع، كأن بينها وبين النهار موعدا لا يتأخر.
مدت يدها إلى مفتاح الكهرباء، فأضاء المنزل البسيط. وما إن
أضاءت الأنوار حتى سمعت أصوات الماشية في الدوار.
كانت تعرفها كما تعرف أبناءها.
تناديها الأبقار والجاموسة بأصواتها المألوفة، وكأنها تقول؛"تأخرتِ
اليوم يا سهام."ابتسمت في هدوء، ولفت شالها حول كتفيها، ثم نزلت إلى الدوار.
وضعت العلف أمام الماشية، وربتت على رؤوسها بحنان الأم. وبعدها
بدأت في تنظيف المكان من الروث، ثم أحضرت جردل الحلب وجلست تحت الجاموسة.
لم يكن ذلك عملا تؤديه فقط، بل طقسا يوميا من طقوس الحياة
الريفية.
صوت اللبن وهو يرتطم بجدار الجردل المعدني كان يشبه موسيقى
الفجر في الريف.
وحين انتهت، حملت اللبن إلى حجرة المعيشة، ثم عادت لتوقظ
البيت كله برائحة الخبز والشاي.
المشهد الثاني
امرأة تحمل نصف السماء
في المطبخ كانت سهام تتحرك بسرعة وخفة.أعدت الفطور للعائلة،
ثم خرجت إلى الحوش.علقت العدة على الحصان، ووضعت أمامه ما تيسر من التبن والبرسيم.ربتت
على عنقه وقالت وكأنها تخاطب إنسانا؛"كُل يا صاحبي.. اليوم يوم طويل."
كان يوم شتل الأرز.
ذلك اليوم الذي يتحول فيه الحقل إلى خلية نحل، وتصبح كل يد
مطلوبة، وكل دقيقة لها ثمن.
في الجهة الأخرى من القرية كان الرجال قد سبقوا الشمس إلى
المشتل. يستعدون لملخ الشتلات وتجهيزها للغرس.أما سهام، فكانت لا تزال في المنزل تعد
لهم طعام الصباح.
هكذا كانت نساء الريف دائما.يعملن في البيت وخارجه، يشاركن
الرجال التعب دون أن يطلبن شكرا أو تصفيقا.
المشهد الثالث
أول خيط من النهار
بدأ السواد يتراجع رويدا رويدا.
أول خيط من الضوء شق الأفق، فبدت الحقول كبحر أخضر يستعد
للاستيقاظ.
وضعت سهام الطعام فوق صينية كبيرة..طبق فول ساخن، وجبنة قديمة،
وبصل أخضر، وسريس، وبعض الأقراص الفلاحية، وطماطم وخيار، وبراد شاي تفوح منه رائحة
النعناع.
ثم صعدت إلى العربة الكارو.
تحرك الحصان في هدوء عبر الطرق الزراعية، بينما كانت نسمات
الفجر تداعب وجهها.
وحين وصلت إلى الحقل، التف الرجال حول الصينية.جلسوا يتناولون
إفطار الفلاحين البسطاء، ذلك الإفطار الذي يمنحهم قوة يوم كامل من الكدح.
أما هي، فانسحبت إلى ظل شجرة قريبة.غيرت ملابسها إلى ملابس
العمل، وربطت غطاء رأسها بإحكام.لم تأت لتوصيل الطعام فقط.بل جاءت لتشارك في الشقاء.
المشهد الرابع
الحقل
كانت الأرض مغمورة بالماء..الطين يلتصق بالأقدام، والشمس
بدأت ترفع رأسها من وراء الأشجار.أمسكت سهام بزمام الحصان، وعلقت الزلاقة الخشبية خلفه.
بدأ الرجال يحملون شتلات الأرز فوق الزلاقة، وهي تتقدم بهم
وسط الحقل.
كانت تعرف الطريق جيدا.
منذ سنوات طويلة وهي تسير بين هذه الأرض.
تعرف أماكن الماء، وتعرف مواضع الطين العميق، وتعرف كيف تساعد
زوجها وأبناءها في موسم الزراعة.
كانت واحدة من آلاف النساء الريفيات اللاتي يحملن نصف عبء
الحياة فوق أكتافهن.
لا يكتب عنهن أحد.ولا تظهر صورهن في الشاشات.لكنهن يقفن خلف
كل رغيف خبز يصل إلى البيوت.
وفجأة..
في لحظة لم يتوقعها أحد..
صرخة قصيرة مزقت سكون الحقل.
توقفت الأيدي عن العمل.والتفتت العيون نحو سهام.كانت الأقدار
قد كتبت الفصل الأخير من حكايتها.
هناك.وسط الماء والطين والشتلات الخضراء..في المكان الذي
أفنت عمرها تعمل فيه.
المشهد الخامس
القرية ترتدي السواد
قبل الظهيرة كان الخبر قد وصل إلى كل بيت في القراقرة.أغلقت
النساء الأبواب وخرجن إلى الشوارع.وتجمع الرجال أمام المنزل.وخيم الحزن على القرية
كلها.
لم يتحدث الناس عن مجرد حادث.
بل عن امرأة عرفوها جميعا.امرأة طيبة السيرة.امرأة كانت تسبق
الشمس إلى العمل.وتعود بعد الجميع.امرأة لم تكن تبحث إلا عن لقمة حلال وأسرة مستقرة.
راح الأهالي يروون مواقفها الطيبة.
ويتذكرون ابتسامتها.ويستعيدون سنوات طويلة من الكفاح والصبر.
وفي المساء، بدت القرية كلها كأنها فقدت واحدة من بناتها.
#المشهد_الأخير
الحقل يتذكرها
في اليوم التالي عاد الفلاحون إلى الأرض.
عاد الحصان.
وعادت الزلاقة.
وعادت الشتلات إلى أماكنها.
كل شيء عاد كما كان..
إلا سهام.
لكن الحقل الذي شهد سنوات كفاحها ظل يحتفظ بذكراها.
فالناس يرحلون، وتبقى آثارهم في القلوب.
وبقيت سهام البسيوني حكاية تتناقلها الألسنة في قرية القراقرة،
حكاية امرأة ريفية بسيطة خرجت مع الفجر تبحث عن الرزق، فسبقتها الأقدار إلى رحمة الله.
رحمها الله رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها
وذويها الصبر والسلوان.

0 comments:
إرسال تعليق