كبر الآباء والأجداد وهم يضعون الأخلاق في موضع القداسة،
يتعلمونها كما يتعلمون الصلاة، ويتوارثونها كما يتوارثون الأسماء والملامح. علموا
أبناءهم احترام الكبير، وحفظ الجيرة، وغض الطرف، وحسن الكلمة، ثم سلموهم الراية
ليورثوها بدورهم لأبنائهم.. أجيال تسلم أجيالا، وهم على يقين أن الفضيلة لا تبور.
لكنهم، في زمن رديء، فوجئوا باتهام قاس" تربيتكم
كانت خاطئة!"
لم يكن ذنب الآباء أنهم زرعوا في أبنائهم الأخلاق، بل
كانت الصدمة حين نبتت حول تلك القيم أشواك البلطجة، واللعب بالبيضة والحجر،
واستسهال الفساد، حتى صار الاحترام يحسب ضعفا، والسكوت حكمة مهدورة، والأدب عيبا
لا يصلح للبقاء.
#فإجتماعيا؛ تغيرت موازين القوة؛ لم يعد صاحب الخلق هو
الأقوى، بل الأعلى صوتا، والأكثر جرأة على الخطأ. المجتمع الذي كافأ الوقاحة، وفتح
لها الشاشات والمنصات، دفع أصحاب القيم إلى زاوية الدفاع، كأنهم متهمون لا أصحاب
حق. فصار الشاب المؤدب يشعر بالغربة وسط ضجيج لا يعترف إلا بمن يزاحم ويدهس.
#ونفسيا؛ نشأ صراع داخلي لدى الأبناء؛ ما بين تربية تقول
كن مستقيما، وواقع يهمس لن تنجو إلا إن كنت مفترسا. هذا التناقض يولد الإحباط،
وربما الغضب، وربما الشك في كل ما تعلموه. وهنا يبدأ السؤال المؤلم: هل أخطأ
آباؤنا؟ أم أخطأ الزمن؟
#ودينيا؛ لم تكن الأخلاق يوما خيارا ثانويا. فالرسالة
كلها قامت على مكارمها، وسدنا النبى صلى الله عليه وسلم لخص غايته بقوله "إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فالدين لم يعدنا بأن صاحب الخلق سينجو دائما بلا
أذى، لكنه وعده بأن يكون ثابتا، محفوظ الجوهر، وإن جار عليه الزمان. #فيا_سادة؛الفساد
عابر، أما القيمة فباقية.
#والسؤال_الأهم_هنا؛كيف نتغلب على هذه الأزمة؟
التغلب لا يكون بالتخلي عن الأخلاق، بل بإعادة تعريفها. والاحترام
لا يعني الاستسلام، والخلق لا يعني البلادة، والتسامح لا يعني التنازل عن الحق. علينا
أن نعلم أبناءنا أخلاقا واعية، تعرف متى تصبر ومتى تواجه، متى تلين ومتى تشتد، بلا
ظلم ولا انكسار.
نحتاج إلى قدوة حقيقية، لا شعارات. نحتاج إلى قانون عادل
يحمي المحترم، لا يتركه فريسة للبلطجي. إلى خطاب ديني واجتماعي يربط الأخلاق
بالقوة، لا بالهوان.
#فى_النهاية_بقى_أن_اجيب_عن السؤال:كيف أكون محترما في
مجتمع يعج بالفساد؟
#والإجابة_من_وجهة_نظرى؛ تكون محترما بأن تظل مستقيما
دون أن تكون ساذجا، قويا دون أن تكون ظالما، واضحا دون أن تكون فظا. تكون محترما
لأنك اخترت ذلك، لا لأن المجتمع كافأك عليه.
فالزمن الرديء يا سادة لا يصلحه إلا من يرفض أن يتردى
معه، والآباء لم يخطئوا حين ربوا أبناءهم على الأخلاق.. الخطأ كل الخطأ أن نظن أن
الفضيلة جريمة، وأن الفساد هو القاعدة.

0 comments:
إرسال تعليق