في زمن
تتشابه فيه الوجوه الحاكمة، وتدار فيه الدول من خلف المكاتب البعيدة، خرج من قلب
إفريقيا رجل شاب، لم يحمل على كتفيه إرث القصور، بل حمل هم الأرض والناس. إبراهيم
تراوري لم يأت إلى السلطة بوعد ناعم، بل بصرخة خشنة، تشبه صراخ القرى المنسية في
بوركينا فاسو، حيث الفقر متجذر، والهيمنة الأجنبية عابرة للحدود، والأمل مؤجل منذ
عقود. هكذا بدأ الرجل رحلته، لا باعتباره رئيسا تقليديا، بل كظاهرة سياسية تعيد
طرح سؤال السيادة والكرامة في القارة السمراء.
المتن
ولد
إبراهيم تراوري عام 1988، في بلد عرف الانقلابات أكثر مما عرف الاستقرار، وتخرج في
صفوف الجيش، حيث تشكل وعيه في ساحات القتال ضد الجماعات المسلحة، لا في صالونات
السياسة. وفي سبتمبر 2022، وبين فوضى أمنية واحتقان شعبي، تولى الحكم بعد إطاحة
القيادة السابقة، ليصبح أصغر رئيس دولة في إفريقيا، وأحد أكثرهم إثارة للجدل.
منذ
اللحظة الأولى، أعلن تراوري أن زمن التبعية قد انتهى، وأن بوركينا فاسو لن تظل
حديقة خلفية للقوى الكبرى. فبدأ بإجراءات إصلاحية حملت طابعا ثوريا، كان أبرزها
إعادة تعريف العلاقة مع الخارج. لم يتردد في إنهاء الوجود العسكري الفرنسي، وقطع
كثير من الاتفاقيات التي رأى فيها استمرارا للاستعمار بأدوات حديثة، متجها نحو
شراكات بديلة مع روسيا والصين وتركيا، في محاولة لكسر احتكار القرار الدولي.
اقتصاديا،
وضع الرجل يده على الجرح الأكثر نزفا: الثروات المنهوبة. فبوركينا فاسو من أكبر
منتجي الذهب في إفريقيا، لكنها من أفقر دولها. ومن هنا جاءت خطوة تسييد قطاع
التعدين، وإنشاء أول مصنع وطني لتكرير الذهب، كي لا يغادر المعدن النفيس البلاد
خاما، وتبقى قيمته المضافة في خزائن الآخرين. كان الشعار واضحا:.. ثروات الوطن
لأبنائه، لا لأسواق الخارج.
أما
الزراعة، فقد تعامل معها تراوري بوصفها أمنا قوميا، لا نشاطا هامشيا. فدعم
الفلاحين بالآلات والبذور، وسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، مؤمنا بأن الجوع أخطر
من الرصاص، وأن الاستقلال يبدأ من رغيف الخبز.
ثقافيا،
خاض معركة رمزية لا تقل أهمية، حين دعا إلى الاعتزاز بالهوية الوطنية، وفرض
الأزياء المحلية في المؤسسات الرسمية، في رسالة تقول إن التحرر لا يكون سياسيا
فقط، بل نفسيا وحضاريا. لقد أراد أن يخلع عن الدولة ثوب المستعمر، لا أن يكتفي
بتغيير الحاكم.
إقليميا،
لعب دورا محوريا في تأسيس تحالف دول الساحل مع مالي والنيجر، في مواجهة الإرهاب
والضغوط الخارجية، ساعيا إلى بناء تكتل إفريقي مستقل القرار، يرى في التعاون
الإقليمي خلاصا من الوصاية الدولية.
ومع
ذلك، لم تخل تجربته من انتقادات؛ فغياب جدول زمني واضح للانتقال الديمقراطي،
واستمرار الحكم العسكري، يثير مخاوف الداخل والخارج. لكن أنصاره يرون أن ما يقوم
به ليس هروبا من الديمقراطية، بل محاولة لإنقاذ الدولة أولا، قبل تسليمها مجددا
إلى صراعات السياسة الهشة.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛إن
إبراهيم تراوري ليس ملاكا سياسيا، ولا بطلا أسطوريا بلا أخطاء، لكنه بلا شك علامة
فارقة في زمن إفريقي يتململ من التبعية، ويبحث عن صوته الخاص. هو تعبير صادق عن
غضب الشعوب المنسية، وعن حلم قد ينجح أو يتعثر، لكنه لن يمر بلا أثر. ففي زمن صارت
فيه الرئاسة وظيفة، أعاد تراوري إلى المنصب معناه الأخطر.. أن يكون الحاكم شاهدا
على آلام شعبه، لا شاهد زور عليها.

0 comments:
إرسال تعليق