• اخر الاخبار

    الأحد، 11 يناير 2026

    مؤتمر الأدباء بالعريش .. شهادةُ حقٕ لتعديلِ مسار .. بقلم: سلوى محمود

     


     

    ليس من اليسير أن يكتب أديب عن مؤتمرٍ أُقيم باسمه، وتحت مظلة الثقافة الوطنية في بلده، كتابةً نقدية مقيّمة؛ فالأصل أن تكون هذه اللقاءات واحاتٍ للكرامة الفكرية، لا محطاتٍ للإنهاك وسوء التدبير. غير أن الأمانة الأدبية تفرض أحيانًا أن نقول ما رأيناه، لا ما نحب أن يكون

     

    أولًا، إن اختيار مدينةٍ ذات خصوصية شديدة كمدينة العريش، بما لها من اعتبارات أمنية وجغرافية وإنسانية، يقتضي بالضرورة إجراءاتٍ استثنائية مدروسة، لا أن يتحول الانتقال إليها إلى رحلة عذاب. فمشوار لا يتجاوز ست ساعات امتد إلى ما يقرب من أربع عشرة ساعة، وكان بيننا عدد غير قليل من كبار السن من الأدباء،

    ممن لا يحتملون هذا الإنهاك البدني والنفسي.

     

    ثانيًا، زاد الأمر سوءًا غياب التوقفات المنظمة

     للاستراحة، حتى بلغ الأمر حدًّا مهينًا، إذ اضطر بعض الأدباء الرجال للنزول على جانبي الطريق لقضاء حاجتهم على مرأى ومسمع من الجميع، وهو مشهد لا يليق بكرامة إنسان، فضلًا عن مكانتة أديب.

     

    ثالثًا، تعطّل أحد الأتوبيسات، واضطررنا للانتظار ساعاتٍ طويلة لإصلاحه، بلا بديل، ولا إدارة أزمة، ولا حتى اعتذار يخفف من وطأة الموقف.

     

    رابعًا، في شأن الإقامة والتنظيم، أُبلغنا المنظمون أثناء الرحلة بأرقام الغرف والمرافقين، لكننا فوجئنا عند الوصول بطوابير طويلة لاستلام حقائب المؤتمر التي تحوي البرنامج والكتب والأبحاث، ثم طوابير أخرى أشد فوضى عند الاستقبال والتسكين، صاحبتها مشادات ومظاهر لا تليق بمؤتمر أدباء. وكانت الصدمة الكبرى حين طُلب منا تجميع كل ثلاثة أدباء مختلفين تمامًا في غرفة واحدة، على خلاف ما أُبلغنا به. ولم ينتهِ هذا العبث التنظيمي إلا قرابة منتصف الليل، بعد أن تناولنا الغداء ثم توجهنا مباشرة إلى حفل الافتتاح دون أي قسط من الراحة، وقد قدم بعضنا من محافظات بعيدة وعند الدخول بعد كل ذلك ثلاثتنا إلى الغرف لم نجد الا سريرين فقط وخدمات غرف  سيئة للغاية بسبب الإشغال الذي وصل إلى ١٠٠٪ ليحمل الأديب عبئا آخر بسبب سوء التنظيم

     

    خامسًا، جاءت الطامة الكبرى في حفل الافتتاح نفسه:

    لم يحضر السيد سيادة الوزير، وألقى كلمته من ينوب عنه.

    ولم يحضر السيد المحافظ، وألقى كلمته من ينوب عنه.

    ولم يحضر رئيس المؤتمر، والأسوأ من الغياب أنه لم يكلّف نفسه حتى بإرسال كلمة مسجلة لائقة، بل ظهر – بحسب ما عُرض – في مشهد يفتقر إلى الحد الأدنى من الاحترام، جالسًا بملابس رياضية في فيلته، يلقّنه المصور أسماء المسؤولين.

    أما الفيلم الدعائي للمؤتمر، فامتلأ بأخطاء لغوية فادحة لا تُغتفر، حتى إن كلمة “أمين عام المؤتمر” لم ينطق صحيحًا إلا نادرًا، وكثرت الأخطاء اللغوية الصارخة إلى حد جعلنا نعدّ الكلمات الصحيحة لقِلّتها. وكان الأجدر، احترامًا للأدباء ورأفةً بهم، إلغاء حفل الافتتاح برمّته.

     

    سادسًا،  الأبحاث الشبابية، فلا أجد وصفًا أدق لها من السذاجة والطفولية. لم أحضر جلسة واحدة أقنعني فيها باحث شاب بجدوى ما يقدّم. قراءات ركيكة من أوراق، عروض تعج بأخطاء تاريخية صارخة، وآخرون اكتفوا بسرد حكايات أفلام بلغة شعبية دون رؤية أو هدف بحثي. والاستثناء الحقيقي كان ورش العمل والموائد المستديرة التي قدّمها الدكتور محمد عبد الحافظ ناصف والدكتورة أمل الجمل في مجالات السيناريو وكتابة الأطفال والكوميكس والنمر الأراجوزية، والتي امتدت ليومين وكانت بالغة الأهمية. غير أنني كنت أتمنى أن يُطلب من المشاركين في هذه الورش تقديم أعمال إبداعية لاحقة تُقيَّم وتُوجَّه للنشر، لخلق جيل جديد من كتاب الأطفال، بدل استمرار الهيمنة العقيمة لكتابات ساذجة عن “البطة والقطة والقرد” منذ عقود.

     

    سابعًا، لن أتوقف طويلًا عند آلية اختيار ممثلي النوادي الأدبية، إذ لا توجد لائحة واضحة تحكم هذا الأمر، فتباينت المعايير بين الأكثر حضورًا، أو الأقرب، أو الأكثر تصويرًا للفعاليات، ولا ألوم على أحد ما دام الغموض سيد الموقف.

     

    ثامنًا، ساد الهرج والمرج في اختيار “الشخصية العامة” لكل محافظة، وغالبًا ما كانت الوجوه ذاتها التي تحضر كل المؤتمرات وتستحوذ على  كل التكريمات. غير أنني آثرت عدم الخوض في هذا الملف لعدم الإحاطة الكاملة بملابساته، ولا يصح إبداء رأي فيما لم يُبحث بعمق.

     

    تاسعًا، أُقيمت أربع أمسيات فقط: اثنتان للقصة وواحدة للشعر، تزامنت مع أمسية أخرى لأدب البادية في بئر العبد، ما اضطر بعض الأدباء لقطع ساعتين ذهابًا وساعتين إيابًا. وبالرغم من كرم المضيف النائب سلامة الرقيعي وهو نائب في مجلس الشيوخ فوجئنا  بعدم السماح لنا بالمشاركة الشعرية، لولا اعتراضٌ صريح سمحوا – مشكورين – بمشاركة عددٍ محدود. وكان الأولى أن ينتقل أدباء البادية إلى قصر ثقافة العريش، مراعاة لكبار السن والمرضى من الأدباء، لولا سوء التنظيم الصارخ

     

    عاشرًا وأخيرًا، جاء بعض الإنصاف في الحفل الختامي، إذ حضر السيد الوزير والسيد المحافظ، بينما غاب رئيس المؤتمر مرة أخرى، لأسباب لا يعلمها – فيما يبدو – إلا مجلس إدارته.

     

    وينطلق هذا الرأي من تجربة عملية ممتدة  بحضوري والمشاركة في تنظيم وتغطية مؤتمرات ثقافية دولية ومحلية في عدد من الدول العربية، بما يتيح لي المقارنة والتقييم على أسس مهنية لا انطباعية، عليه فإن ما كُتب هنا ليس تصفية حساب، ولا رغبة في الهدم، بل محاولة جادة لتصحيح المسار. فمؤتمر الأدباء ليس رحلة ترفيهية، بل استحقاق ثقافي وطني، وكرامة الأديب فيه ليست ترفًا، بل واجبًا لا يقبل التهاون

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مؤتمر الأدباء بالعريش .. شهادةُ حقٕ لتعديلِ مسار .. بقلم: سلوى محمود Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top