في زمنٍ تتسارع فيه الأعباء على كاهل البسطاء، وتضيق فيه سبل الرزق على كثير من الأسر، يطل علينا مشهد مؤلم، يختلط فيه وجع الواقع بمرارة الاستغلال..حين يقرر بعض معلمي الدروس الخصوصية رفع قيمة الاشتراكات، لا عند بداية عام دراسيٍ جديد، ولا مع تطويرٍ يذكر في الخدمة، بل فجأة.. وفي منتصف الطريق، ومعها شرط أشد قسوة.. الدفع مقدما!
وهنا يقف
ولي الأمر حائرا، كمن ضاق به الأفق، يتساءل في صمت موجع..
لماذا الآن؟
أهي زيادة
في الجهد؟ أم تطور في الوسائل؟ أم أنهم باتوا “يعملون بالبنزين أو السولار” حتى تتضاعف
التكلفة فجأة؟!
إنها أسئلة
لا تبحث عن إجابة بقدر ما تكشف خللًا في ميزان الرحمة.
ولي الأمر
الذي لديه ولد أو اثنان، ربما يتحامل على نفسه ويصبر، أما من ابتلي بثلاثة أو أربعة
أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، فبأي قلب يطالب بالدفع مقدما؟!
أَيبيع من
ضروراته؟ أم يقتطع من قوت يومه؟ أم يثقِل كاهله بالديون؟!
إننا هنا
لا ننكر حق المعلم في أن يقدر جهده، ولا ننفي عنه معاناته في ظل الغلاء، ولكن بين الحق
والواجب خيط رفيع اسمه “الضمير”.. ذاك الذي إن غاب، تحول العلم من رسالة سامية إلى
تجارة بلا رحمة.
يقول الله
تعالى"وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ"ويقول أيضا:"لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"فهل نحمل الناس ما لا طاقة لهم به؟!وهل صار
التعليم بابا للضغط بدل أن يكون سبيلا للنجاة؟!
إن البعد
الديني هنا ليس مجرد نصوص تتلى، بل هو ميزان عدلٍ يفترض أن يحكم تعاملاتنا اليومية.
فالمعلم، قبل أن يكون صاحب درس، هو صاحب رسالة، ومرب قبل أن يكون محصلًا للرسوم.
وقد قال
رسول الله "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ"، فأين الرحمة من هذا
المشهد؟!
أما البعد
الاجتماعي، فهو أشد وضوحا وأعمق أثرا..حين يشعر ولي الأمر أن المجتمع لا يراعي ظروفه،
تتآكل الثقة، ويزداد الاحتقان، ويتحول التعليم إلى عبء نفسي لا يحتمل.وحين يجبر الأب
على الاختيار بين تعليم أبنائه أو توفير احتياجاتهم الأساسية، فإننا أمام أزمة لا تخص
فردا، بل تمس نسيج المجتمع كله.
يا سادة
؛ إننا لا نطلب المستحيل.. بل نطلب العدل.لا نرفض الزيادة إن كانت مبررة ومدروسة، ولكننا
نرفض توقيتها القاسي، وطريقتها التي تفتقد إلى أي حس إنساني.فليت من يرفع السعر، يرفع
معه ميزان الرحمة..وليت من يطلب مقدما، يتذكر أن هناك من يعيش يومه “بالكاد”..وليتنا
نعيد للعلم قدسيته، فلا يكون ساحة للضغط، بل منارة للنور.
وفي النهايةبقى
أن اقول؛ تبقى كلمة خالدة من كتاب الله تنير الطريق"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى"فهل نتعاون.. أم نتثاقل فوق أكتاف المنهكين؟!

0 comments:
إرسال تعليق