على
مدار تاريخها الحديث، لم تتصرف الولايات المتحدة كدولة طبيعية تعيش بين الأمم
بندية واحترام، بل كقوة ولدت على فكرة الغلبة، وترعرعت على منطق السطو، وتغذت على
عرق الشعوب وثروات الدول. قامت نشأتها فوق جماجم السكان الأصليين، واتسعت حدودها
بالدم والنار، فكانت منذ البدايات كيانا لا يعرف معنى الاكتفاء، يعيش على أكتاف
غيره، ويقتات من أزمات الآخرين، حتى صار التدخل في شؤون الدول عقيدة، والهيمنة
أسلوب حياة.
أمريكا،
التي تقدم نفسها للعالم باعتبارها راعية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لم تتردد يوما
في سحق هذه القيم حين تتعارض مع مصالحها. كل دولة ترفض الانصياع، وكل زعيم يجرؤ
على رفع رأسه، يوضع فورا في خانة “شلة المشاغبين”، تلك التسمية المعلبة التي
تستخدم لتبرير الحصار، والانقلاب، والاغتيال المعنوي أو المادي. فالمشكلة ليست في
الطغيان أو القمع كما تدعي، بل في الاستقلال، وفي محاولة كسر السلسلة التي تريدها
واشنطن طويلة في أعناق الشعوب.
وفي قلب
هذا المشهد، يبرز اسم الزعيم جمال عبد الناصر، الذي واجه البلطجة الأمريكية ومعها
الاستعمار القديم في أوضح صوره. كان العدوان الثلاثي شاهدا على أن من يرفض
الإملاءات يعاقب، وكانت نكسة 1967 جرحا غائرا في الجسد العربي، لكن عبد الناصر لم
ينكسر، لأنه كان يعلم أن خلفه شعبا اسمه "الشعب المصري"، وأمة اسمها "الأمة
العربية". لم يستسلم، لأن الإرادة الشعبية كانت سنده، ولأن المعركة لم تكن
معركة شخص، بل معركة كرامة.
وعلى
الدرب ذاته، صار آخرون. تشي جيفارا الذي حمل روحه على كفه وجاب القارات مقاوما
الإمبريالية، وفيدل كاسترو الذي صمدت كوبا الصغيرة في وجه الحصار الأمريكي لعقود
دون أن تنحني. وصدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا، مهما اختلفت حولهما
الآراء، فقد كانا نموذجين لحكام قرروا الخروج عن الطاعة الأمريكية، فكان العقاب
تدمير الدول قبل إسقاط الأنظمة. وفي بنما، لم تتردد واشنطن في اجتياح بلد كامل في
التسعينيات لاختطاف زعيمه، وفي أمريكا اللاتينية لاحقت كل صوت تحرري، من البرازيل
إلى فنزويلا، حيث وقف هوجو شافيز ثم نيكولاس مادورو في وجه الهيمنة، فكان الحصار
والتجويع ومحاولات الانقلاب والخطف
إنها
سياسة واحدة بوجوه متعددة.. من لا يدفع الثمن طائعا، يجبر عليه قسرا. ومن لا يفتح
خزائنه، تفتح عليه أبواب الفوضى. وهكذا تستمر بلطجة “رعاة البقر” في العالم، بلا
رادع حقيقي، ولا محاسبة عادلة، في نظام دولي يختل فيه الميزان لصالح القوة.
#فى_النهاية_بقى_أن_نقول؛
ويبقى السؤال معلقا في الهواء، ثقيلا كالحقيقة ؛من يكبح جماح رعاة البقر؟! ومن يضع
حدا لدولة اعتادت أن تعيش على قفا الدول، وتكتب تاريخها بمداد الهيمنة ودماء
الآخرين؟!

0 comments:
إرسال تعليق