لم يعد المتلقي يدخل السينما بريئًا.
يدخل
محمّلًا بمقاطع قصيرة، بأفكار مقطوعة النفس، بإجابات أسرع من الأسئلة.
زمن
التيك توك لا يصبر على البناء، ولا يؤمن بالرحلة، يريد الذروة قبل أن تبدأ الحكاية.
ومن
هنا، يبدو فيلم الملحد ككائن غريب: جريء في قوله، متعجل في إنسانيته.
الفيلم
يصرخ في وجه الصمت، وهذه فضيلته الأولى.
لكنه
يصرخ أكثر مما يصغي، وهذه مأساته الفنية.
في زمن
تَحوَّلت فيه الأفكار إلى “ترند”، يصبح الإلحاد نفسه نمطًا بصريًا، لا تجربة
وجودية.
والفيلم
– على الرغم من شجاعته – يقع أحيانًا في الفخ ذاته الذي ينتقده:
يحوّل
الأسئلة الكبرى إلى جمل جاهزة،
ويستبدل
الرحلة الداخلية بمبارزة لغوية.
السينما،
في جوهرها، لا تُقنع، بل تُعدي.
لا تقول
لك ماذا تفكر، بل تجعلك تشعر بأن التفكير ضرورة.
الشخصية
الدرامية لا تأتي لتشرح موقفها،
بل
لتتعثر به، لتدفع ثمنه، لتنزف بسببه.
هنا،
يقف الملحد على الحافة بين إنسان وفكرة.
يتكلم
كثيرًا، يتألم قليلًا.
نسمع
أفكاره أكثر مما نرى أثرها على جسده، على علاقته بالعالم، على تفاصيل حياته
اليومية.
الإلحاد،
كما يقدمه الفيلم، موقف فكري صاخب، لا جرحًا صامتًا.
في
المقابل، السلفي في الفيلم ليس شخصًا، بل “موقفًا مغلقًا”.
وجه بلا
تاريخ، قناعة بلا هشاشة.
يرفض
زراعة الكبد حتى الموت، وكأن الموت هنا شهادة فكرية، لا خوفًا بشريًا.
لكن
الواقع – القاسي والمعقّد – يخبرنا أن الإيمان، حين يُهدَّد الجسد، يفاوض.
وأن
الفتاوى، مثل البشر، ترتجف حين تقترب النهاية.
هذا هو
الفارق بين التشخيص والتنميط.
التشخيص
ينحاز للإنسان، حتى وهو يدينه.
أما
التنميط فينحاز للفكرة، حتى وهو يقتل الإنسان بداخلها.
لغة
الفيلم تشبه زمنه: مباشرة، لامعة، قابلة للاقتباس.
حوارات
تُقال كما لو كُتبت لتنتشر، لا لتُنسى.
في زمن
التيك توك، هذه ميزة تسويقية، لكنها عبء جمالي.
فاللغة
التي لا تتلعثم، لا تترك أثرًا طويلًا.
والجملة
التي تفهم من أول مرة، تموت سريعًا.
ومع
ذلك، لا يمكن إنكار لحظات الصدق البصري:
موسيقى
راجح داوود التي تعرف كيف تسحبك إلى الداخل،
أداء
صابرين الذي يحمل ما لم تقله الشخصيات،
وجلسة
السطوح التي منحت الفيلم لحظة تنفّس نادرة،
حيث بدا
البشر أقل يقينًا، وأكثر اقترابًا من أنفسهم.
أما
النهاية، فقد اختارت اليقين بدل الشك، والإغلاق بدل السؤال.
الهداية
المفاجئة لا تشبه التحوّلات الحقيقية،
فالتحوّل
الوجودي لا يحدث في دقائق،
بل يترك
صاحبه معلّقًا، مرتبكًا، بلا إجابة نهائية.
كان
يمكن للنهاية أن تكون صمتًا،
أو
تردّدًا،
أو خطوة
ناقصة…
لكنها
اختارت الخطاب.
الملحد
فيلم مهم، لا لأنه كامل،
بل لأنه
كشف هشاشة زمننا.
زمن
يريد من الفن أن يقول كل شيء بسرعة،
وأن
يحسم الأسئلة بدل أن يتركها تنمو.
في زمن
التيك توك،
أكثر ما
نحتاجه في السينما
ليس
الجرأة في الكلام،
بل
الشجاعة في الصمت.
أن نرى
الإنسان
قبل
الفكرة،
والجرح
قبل
الشعار.

0 comments:
إرسال تعليق