الذى راقب لغة جسد الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" فى مؤتمريه الصحفيين قبل وبعد اجتماعه القصير الأخير مع "بنيامين نتنياهو" فى "فلوريدا" ، لا بد قد لحظ أن ترامب" بدا فى صورة عظمة مرتعشة ، لم ينجح فى التغطية عليها بسيل تصريحاته الخاوية ، والإستئثار بالكلام أغلب الوقت ، بينما اكتقى "نتنياهو" بابتسامته الصفراء ، وبإيماءة الرأس الموافقة لصديقه ومضيفه الثرثار ، الذى بدا ـ أى "ترامب" ـ كأنه غارق فى بئر ، يعيد ويزيد فى شروحه عن عظمة "نتنياهو" ، الذى لولاه ـ أى "نتنياهو" ـ لما كانت "إسرائيل" لا تزال على قيد الحياة ، والذى يستحق عفوا شاملا فى قضايا فساده من الرئيس "الإسرائيلى" "إسحاق هيرتزوج" ، وقد نفى الأخير رسميا تلبية طلب "ترامب" بالعفو عن "نتنياهو" ، بينما أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلى" عن تكريم "ترامب" بمنحه "جائزة إسرائيل" اعترافا "بإسهاماته الهائلة لإسرائيل والشعب اليهودى" ، وهو ما بدا "ترامب" ممتنا له بفرح غامر ، رغم أنه قال قبل اللقاء مع "نتنياهو" ، أنه منح "إسرائيل" هضبة الجولان السورية التى تساوى تريليونات الدولارات دون أن يتقاضى سنتا ، وتفاخر "ترامب" بأنه حسم ثلاث قضايا متعلقة باتفاق "غزة" فى خمس دقائق خلال العشاء مع "نتنياهو" ، ودون أن يأتى على ذكر واحدة منها ، واكتفى بالتأكيد على زعم التزام "إسرائيل" الحرفى بما يسمى "خطة ترامب" ، وأن الطرف الآخر هو الذى أخل ويخل بالتزاماته ، وطالب "حماس" بنزع سلاحها " فى مدة قصيرة جدا" لم يحددها ، وعاد مجددا لدعم هدف إخراج وتهجير الفلسطينيين من "غزة" ، وفى سياق دعمه لما تسميه حكومة "نتنياهو" بالخروج الطوعى (!) .
وقد لا يكون من وجوه للتعجب ، فما بين أمريكا
و"إسرائيل" اندماج استراتيجى كامل ، وقد تحدث أحيانا خلافات فى التصرفات
التكتيكية بين حكومة إسرائيل العليا فى واشنطن وحكومتها الفرعية فى "تل أبيب"
، وبعد اتفاق "شرم الشيخ" المتعلق بخطة "ترامب" ، بدا أن "ترامب"
أجبر "نتنياهو" على وقف حرب الإبادة الجماعية فى "غزة" إلى
حين ، لكن "إسرائيل" لم تحترم وقف إطلاق النار أبدا ، واخترقته مئات
المرات ، وقتلت بالنار مئات الفلسطينيين مجددا ، ونسفت آلاف المبانى المتبقية فى
شرق قطاع "غزة" ، وحالت دون تنفيذ البروتوكول الإنسانى ، وحجبت فرص دخول
آلاف شاحنات الإغاثات الطبية والغذائية ، ومنعت إدخال مئات الآلاف من الخيام
والمنازل المتنقلة ، وهو ما كان سببا فى تفاقم المآسى الإنسانية مع دخول فصل
الشتاء القاسى ، وتجمد أجساد الأطفال الرضع والشيوخ فى عراء "غزة" ، فى
حين بدا "ترامب" فى عالم آخر ، وزعم التزام "إسرائيل" بالاتفاق
حرفيا ، وامتنع عن الجواب حين سئل عن التزام "إسرائيل" بالانسحاب من "الخط
الأصفر" إلى "الخط الأحمر" ضمن خطوات المرحلة الثانية ، وكأنه يقول
ببساطة ، أن من حق "إسرائيل" أن تفعل
أو لا تفعل ، وأن من حقه أن يسمى ذلك "سلاما" ، وحين سألوا "ترامب"
عن ما يسمى "قوة الاستقرار الدولية" وأطرافها ، وعما إذا كان من حق "تركيا"
أن تشارك بالقوة إياها ، اكتفى "ترامب" بعبارات غائمة ، كال فيها المديح
للرئيس التركى ، وأضاف أن "نتنياهو" يعارض مشاركة قوات تركية ، وكأنه
يسلم بانعدام حيلته (!) .
والخلاصة ، أن "ترامب" يكف يده عن
أى تدخل ضاغط لكبح "نتنياهو" ، وأن صورة العلاقة بين الطرفين المتكاملين
تتغير ملامحها مجددا ، وترجح كفة "نتنياهو" هذه المرة ، وهو ما بدا
ظاهرا فى أحاديث "ترامب" المرتبكة عن احتمالات تجدد الحروب الشاملة شرقا
ضد إيران وقبلها فى لبنان وسوريا ، ورغم حديثه عن السعى لاتفاق يجمع "نتنياهو"
والرئيس السورى ، إلا أن "نتنياهو" كان قاطعا بكشف أهدافه فى إلحاق
سوريا بالحزام الأمنى "الإسرائيلى" ، ودونما حديث بالطبع عن هضبة "الجولان"
التى ابتلعتها "إسرائيل" بدعم نهائى من "ترامب" ، ودونما حديث
أيضا عن كبح شهية العدو فى شن الحروب من لبنان إلى إيران ، ولم يخف "ترامب"
تأييده الضمنى لحرب جديدة ضد إيران ، قد تشارك فيها أمريكا مجددا ، وبدعوى أنها ـ
أى إيران ـ عادت لتطوير برنامجها النووى وبرنامجها الصاروخى ، وهو ما يوحى بحقيقة
العلاقة الراهنة بين الرجلين ، وبين العدوين الأمريكى و"الإسرائيلى" ،
وهما كيان واحد متحد ، حتى وإن بدت بعض التصرفات مختلفة أحيانا فى توزيع الأدوار ،
على طريقة إعلان "إسرائيل" اعترافها من طرف واحد بالكيان الانفصالى فى "أرض
الصومال" ، وامتناع واشنطن الظاهرى عن الاعتراف الآن ، لكن مع تأكيد أمريكا
فى مجلس الأمن على حق "إسرائيل" فى فعل ما تشاء ، ما دامت المعارضات
العربية والإسلامية لا تجدى فتيلا ، وما دام بناء قواعد عسكرية "إسرائيلية"
فى "أرض الصومال" مفيدا فى مواجهة "حوثى" اليمن ، وما دامت "أرض
الصومال" صالحة كملجأ بديل للفلسطينيين المهجرين ، وهو هدف ظاهر لأمريكا و"إسرائيل"
معا ، كما دلت عليه تصريحات "ترامب" العلنية ، التى عاد فيها وعادت
إدارته اليهودية الصهيونية إلى تكرار نغمة "الريفييرا" إياها ، ونشر
الخطة المسماة "شروق الشمس" لإعادة إعمار "غزة" فى عشر سنوات
، أى إلى سبع سنوات إضافية بعد خروج "ترامب" نفسه من "البيت الأبيض"
.
والخلاصة مجددا ، أننا قد نكون بصدد الذهاب
إلى متاهات لا تنتهى ، يصوغ "نتنياهو" عنوانها فى حروب متجددة ، بينما
يضفى "ترامب" صفة سلام القوة على حروب "نتنياهو" ، وهو ما
يخدم حتى أغراض "نتنياهو" الشخصية الذاتية ، وسعيه للفوزمجددا برئاسة
الوزراء فى أواخر العام الجارى 2026 ، أو فى أواسطه إذا جرت الانتخابات مبكرة فى "إسرائيل"
، ويفيده طبعا ، أن يستخدم صوت "ترامب" دعائيا فى حملته ضد منافسيه ، فى
حين يبدو "ترامب" مجبرا لا مختارا ، فهو الآخر ينتظر انتخابات التجديد
للكونجرس الأمريكى بمجلسيه النواب والشيوخ ، وأغلب التقديرات ترجح خسارة حزب "ترامب"
الجمهورى فى الانتخابات المنتظرة ، وقد يسعى "ترامب" إلى تخفيف ثقل الخسارة
، والاستعانة بتأثير "نتنياهو" على "اللوبى اليهودى" الأمريكى
المتحكم ، حتى لو كان الثمن تطابقا تاما مع الرغبات والأهداف "الإسرائيلية"
، فمن شأن خسارة حزب "ترامب" فى انتخابات الكونجرس المقررة أوائل نوفمبر
2026 ، أن تحول "ترامب" إلى "بطة عرجاء" فى البيت الأبيض ،
وأن تنتهى فترة رئاسته الفعالة قبل الأوان بعامين ، وأن يجرى اختصار فترة رئاسته
رباعية السنوات إلى عامين لاغير ، وعام الرئاسة الأخير فى التقاليد الأمريكية هو
موعد حالة "البطة العرجاء" وحساباتها الحذرة ، لكنه قد يأتى مبكرا فى
رئاسة "ترامب" الثانية والأخيرة ، مع احتمالات شبه مؤكدة بخسارة "ترامب"
لأغلبيته الضئيلة فى مجلسى النواب والشيوخ ، حتى لو ظفر بدعم "اللوبى اليهودى"
، الذى فقد الكثير من قوة تأثيره ، مع تحولات جرت فى مزاج الناخب الأمريكى تجاه "إسرائيل"
، وبالذات فى أوساط الشباب والأجيال الأمريكية الجديدة .
ومما يزيد من ضعف "ترامب" سياسيا
رغم "بهلوانيته" الكلامية ، أن التشققات تتزايد فى قاعدته الانتخابية ،
مع مضاعفات نشر وثائق وفضائح "جيفرى إبستين" عميل "الموساد" تاجر
الجنس الشهير ، ومع فشل "ترامب" الظاهر فى تحقيق وعوده الاقتصادية ،
وتصاعد التذمر من زيادة تكاليف المعيشة بالنسبة لغالبية الأمريكيين ، وإخفاق خطة
زيادة الرسوم الجمركية فى دفع الاقتصاد للانتعاش ، وميل الرئيس لمبالغات وفجاجات
وأكاذيب فاقعة ، تدعى جلب استثمارات بعشرات تريليونات الدولارات إلى الداخل
الأمريكى ، وهو ما زاد من معدلات تدهور شعبية الرئيس الأمريكى ، ونزولها مبكرا فى
سبعة استطلاعات رأى إلى ما تحت الأربعين بالمئة ، مع تراجع الحماس للرئيس فى حركة "ماجا"
نفسها ، وهى حركة اجتماعية سياسية تحمل الحروف الأولى بالإنجليزية لشعار "ترامب"
الأثير "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" ، وقد توالت فى الفترة الأخيرة
انشقاقات داخل "ماجا" ، كان بعضها غاضبا من تطابق سياسات "ترامب"
مع "إسرائيل" ، ومع مجازر الإبادة الجماعية الأمريكية "الإسرائيلية"
فى "غزة" ، فهم لا يفهمون كيف تكون أمريكا أولا ، ومواردها العسكرية
خاضعة لدولة أجنبية اسمها "إسرائيل" (!) .
ويبدو أن ترامب نفسه ، قد اكتشف غريزيا خواء
شعار عظمة أمريكا ، وراح فى استراتيجيته الجديدة للأمن القومى ، ينكمش بعظمة
أمريكا الكونية إلى عظمة جغرافية فى الجوار ، أو إلى "عظمة لاتينية" بالذات
، فاستراتيجيته الجديدة تركز على إحياء "مبدأ مونرو" ، والانسحاب إلى نصف
الكرة الغربى فى الأمريكتين الشمالية والجنوبية ، وكأنه يعود بوضع أمريكا إلى ما
كان قبل قرنين ، حين أعلن الرئيس الأمريكى الأسبق "جيمس مونرو" عام 1830
عن سياسته الدولية ، ورغبة واشنطن فى الاستئثار بثروات وسياسة أمريكا اللاتينية ،
وهو ما يلتزم به الرئيس "ترامب" كأولوية قصوى اليوم ، ويسعى لشن حروبه
الجديدة فى "الكاريبى " ضد "فنزويلا" وأخواتها ، وكأنه يعود
إلى "مبدأ مونرو" فى نسخته الحرفية الأولى .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق