في قصيدة "الكورة" ينطلق الإعلامي الأشهر والشاعر المفوه اسما وصفة جمال الشاعر من حقل دلالي مألوف وواسع الانتشار في الوجدان الجمعي العربي وهو حقل كرة القدم ليؤسس خطابا شعريا مشبعا بالتوتر السياسي والاحتجاج الشعبي مستخدما ما يمكن وصفه بــالرمزية التداولية التي تنقل المعنى لا من خلال المجاز التقليدي وحده بل من خلال التواطؤ الثقافي بين الشاعر والمتلقي حول دلالات اللعبة ومفرداتها.
القصيدة
تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـالشعر الرمزي الواقعي إذ يفرغ الشاعر فضاء النص من
الإحالة المباشرة ليملأه بإيحاءات تحيل إلى بنى سلطوية واجتماعية دون تسميتها. المعجم
الكروي الذي يشمل أفعالا مثل "أما تننط" "حايلها" "اتشقلب"
"شتتها" "اتغطرس" "قرطس" "اخربها" — يستخدم
بوصفه رموزا وظيفية تحيل إلى ممارسات سياسية مثل السيطرة والمناورة والمراوغة
والثورة والهدم.
الشاعر
جمال يفعل هنا آلية الاستعارة الممتدة حيث تتحول اللعبة إلى ميدان صراع طبقي
وسياسي وتتحول "الكورة" نفسها إلى رمز سيادي قد تكون فرصة أو قرارا أو
وطنا أو موقفا. وحين "تنط في حجرك" يصبح الشاعر والمتلقي مطالبا لا
باللعب فحسب بل بامتلاك زمام الفعل والرد على الظلم بمثله "لترد قلمهم قلمين".
ويعتمد
الشاعر والصديق جمال على اللغة العامية ذات الطابع التداولي وهي لغة تشبه هتاف
الملاعب لا تتأنق في بيان ولا تتكلف في نحو بل تراهن على جاذبيتها الإيحائية
وقدرتها على التكثيف الشعبي للمعنى. ونلحظ
أن الشاعر جمال لا يلجأ إلى صور شعرية مركبة أو تراكيب بلاغية عسيرة بل ينتج
شعريته من خلال إيقاع الجملة القصيرة والفعل المتوالي والانفجار الإيقاعي للشتائم
المباشرة مثل "قرطس" و"اتغطرس" و"اخربها" والتي
تحمل في طياتها حمولة غضب مضمرة ضد قوى تفسد "اللعبة" أي المشهد السياسي
والاجتماعي. هذا الاقتصاد في اللغة المرتكز على البرقية اللفظية والإيقاع الحركي
يحقق وظيفة مزدوجة. أولا يستدعي استجابة وجدانية سريعة من المتلقي الشعبي وثانيا
يحافظ على حمولة رمزية قابلة للتأويل السياسي لدى القارئ الواعي بطبقات الخطاب.
وتمضي
القصيدة على نسق إيقاع تفجري يتخلله فعل يتلوه فعل مع تقطع متعمد يحاكي إيقاع
المباريات المتوترة. ويمكن تحليل هذا النمط باعتباره نوعا من البنية السينتاجمية
الانفعالية حيث لا تتوالى الأفعال سرديا بل تتكاثر في عنف لغوي يحمل طاقة احتجاج
ضمنية. ونرى ذلك في تعبيرات مثل "ارفع سقف الأدرينالين" و "وعظيم
بيمين" و "لترد قلمهم قلمين". هنا نجد ما يشبه تضفيرا صوتيا
ودلاليا بين فوضى الملعب وفوضى الواقع وبين البدنية المفرطة للاعب الثائر والذهنية
الثائرة للمتكلم المقموع.
وفي
تحول لافت يشرك الدكتور الشاعر الألتراس داخل القصيدة ليس كمجرد متلق بل كفاعل
وشاهد في المشهد. وهذا يحيلنا إلى مفهوم "مسرحة الخطاب الشعري" حيث
تنكسر الجدران بين الشاعر والقارئ ويصبح الأخير مشاركا في الحدث الشعري لا فقط
مستهلكا له. كما أن وصف "طقم المقصورة" و"ألاضيشها" يعيدنا
إلى الخطاب الطبقي المراوغ حيث تتحول "المقصورة" إلى رمز طبقي لاختلال
توزيع السلطة والثروة بينما "الألتراس" يصبح تمثيلا لأصوات الهامش التي
يتم إقصاؤها من الملعب السياسي والاجتماعي.
وفي
الختام يفاجئني صديقي الفيسبوكي بلغة الحافة وتمجيد الجنون؛ حيث ينهي نصه الشعري
العامي بدعوة صريحة للهدم فيقول "اتجنن واخربها". فهذه النهاية تتجاوز
مجرد التحريض على الفعل لتكرس منظورا أناركيا احتجاجيا يراهن على "جنون
الهامش" كوسيلة لفك أسر الواقع المختل. وهو ما يتماشى مع نظرية "الخطاب
المخلخل الذي لا يسعى للإصلاح بل للتخريب الرمزي كمقدمة لواقع مغاير.
إن
قصيدة "الكورة" يا أصدقاء صفحتي المتواضعة عمل شعري يمارس الرمزية
الشعبية لا بوصفها زينة بل كأداة مقاومة. إذ تجند القصيدة معجم الكرة وحيوية
العامية والإيقاع الحركي لتصوغ خطابا نقديا ساخرا مسربا بلطف قاس إلى وعي جماهيري
أنهكه التهميش. فالشاعر والدكتور والإعلامي والصديق هنا لا يكتب عن المباراة بل
يجعل من القصيدة نفسها مباراة وجودية ضد القمع والتواطؤ حيث اللعب فعل سياسي
والمراوغة شكل من أشكال النجاة.
وإليكيم
أبيات القصيدة:
الكورة
للشاعر/
جمال الشاعر
الكورة
أما تنط
في حجرك
يا ابني
اوعى
تسيبها
اتحكم
فيها
حايلها
صاحبها ناسبها
قسم
وزع
ضرباتك
دروخهم
وإياك
تتأني
وتحسبها
رقص شوط
اتشقلب
جريهم
فى الملعب
واذا
هجمت برتيتة عليك
شتتها
وشقلبها
اغمز
للجمهور
الألتراس
اتغطرس
قرطس
كل
البوم
اللي
بينعق حوالين
طقم
المقصورة اللي بتصرف
علي
ألاضيشها وعلي حبايبها
من
جيبنا
مش من
جيبها
ارفع
سقف الأدرينالين
وعظيم
بيمين
لترد
قلمهم قلمين
جايز
يتهدوا شويه
ويخلونا
نشارك
ونباصي
لبعض
وإذا
رفضوا
كسعمهم
واتجنن
واخربها

0 comments:
إرسال تعليق