في حادثةٍ إجرامية غير مسبوقة في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية المعاصر، استهدفت يد الغدر والظلامية أقدس قيم المجتمع الأردني وأعمقها جذوراً؛ قيم العيش المشترك والنسيج الوطني المتماسك. ففي يوم الجمعة الموافق 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، حولت باحة كنيسة "القديس جيورجيوس" للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك من مساحة لتأدية واجب العزاء والدعاء للراحلين إلى ساحة جريمة إرهابية مروعة، راح ضحيتها سبعة مواطنين برداءة الغدر، وأُصيب العشرات ممن جاءوا يمارسون حقهم الفطري والدستوري في إقامة الشعائر الدينية والتواصل الاجتماعي. لم تكن الجريمة وليدة مصادفة، بل جاءت نتاج تخطيط ورصد ميداني مسبق استغل الطبيعة الوادعة لبلدة حمود الهادئة. ففي تمام الساعة التي كانت تحتضن فيها الكنيسة جمعاً حاشداً يربو على المئتين من أهالي المنطقة لتشييع سيدة من عائلة "الهلسا" المسيحية، ترجل مسلحون ملثمون من مركبة ذُكر أنها من نوع (بيك آب)، ومدججون بأسلحة أوتوماتيكية ومسدسات ذات كفاءة نارية عالية. وعلى مدار أربع إلى خمس دقائق من القصف العشوائي والمباشر نحو بوابات الكنيسة وباحتها، انهمر الرصاص على أجساد كبار السن والأبرياء، في محاولة متعمدة لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا قبل أن يلوذوا بالفرار عبر الطرق الفرعية المتاخمة للبلدة. تحولت باحة الدار المقدسة في لحظات إلى مشهد دامٍ، لكن المشهد السرعان ما انقلب إلى ملحمة إنسانية؛ إذ لم تفق البلدة على صدمة الجريمة حتى اندفع أبناء العشائر المسلمة والمسيحية جنباً إلى جنب لإسعاف الجرحى ونقلهم إلى مستشفيات المحافظة، واحتشد مئات المواطنين أمام مراكز الدم في مشهد اختصر رد الكرك التاريخي على أدعياء الفتنة. ومن الناحية الجنائية والقانونية، تُشكل هذه الواقعة عملية إرهابية مكتملة الأركان ومسبقة التخطيط، وتتجاوز كونها مجرد "قتل عمد" لتندرج مباشرة تحت أحكام قانون منع الإرهاب الأردني رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته: وتمثل في استخدام أسلحة نارية أوتوماتيكية حية ضد تجمع مدني أعزل في دار عبادة محمية، مما أدى إلى إزهاق أرواح سبعة أفراد وإصابة العشرات، وهو ما يقع تحت نص المادة (3/أ) من القانون المتصلة بأعمال العنف وتخريب الممتلكات وتكشير السلم الأهلي. واقترن الفعل بنية إحداث الفتنة الطائفية، وترويع المجتمع، واستهداف مكون أساسي من مكونات الدولة الأردنية لزعزعة استقرار أمن الدولة الداخلي (المواد 147-149 من قانون العقوبات الأردني).وكذلك هو سبب من اسباب انتشار الفكر التكفيري الدموي في الاردن . وبسبب اعطاء فسحه لهذا الفكر المتطرف في الاردن وعدم محاسبة اصحاب الفكر المتعصب التكفيري الدموي في الاردن الحبيب وتعد الجريمة انتهاكاً صارخاً للضمير الإنساني والمواثيق الدولية؛ وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 18) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 18) اللذان يضمنان حرية الدين والمعتقد وأداء الشعائر بأمان. فقد اعتدى الجناة على صريح الدستور الأردني في المادتين (6 و14) اللتين تكفلان الطمأنينة وحرية القيام بشعائر الأديان والأديرة. وتشكل محافظة الكرك، وبلدة حمود تحديداً، عمقاً تاريخياً ونموذجاً فريداً للتعايش الديني والاجتماعي. فالعشائر المسيحية الأردنية في الكرك من أمثال عشائر الهلسا والحجازين والزريقات وغيرها ليست أقاليم وافدة أو أقلية طارئة، بل هي عصب أصيل في البناء العشائري والمجتمعي للجنوب الأردني منذ مئات السنين. لقد عاش المسلم والمسيحي في الكرك يتشاطران الأرض والموارد ودماء الشهداء في مختلف المحطات الوطنية. ومن هنا، فإن اختيار كنيسة حمود لم يكن استهدافاً لأشخاص فحسب، بل محاولة خائبة لضرب العرف العشائري والأخلاقي الذي حما الأردن لعقود. وكذلك السبب الرئيس كما ذكرت آنفا هو انتشار الفكر الدموي التكفيري المتعصب المتشدد في الاردن الحبيب وخصوصا في الفترة الاخيرة من احداث داعش ولغاية الان بدليل انه حينما قتل الزرقاوي قامت عده مدن وجماعات في الاردن بعمل مجالس عزاء وحزن في الاردن دون أي رادع حكومي اردني مما ولد هذا الاستهتار والتجاوز على قتل الابرياء بسبب الامان وعدم الخوف من الحكومة الاردنية لدى المتطرفين لأنها وجدت ارض خصبة وعدم المحاسبة القانونية الشديدة الرادعة لهذا الفكر المتطرف الدموي . ونشيد بالوقفة والهبة الفورية لأبناء الكرك كافة بالتوجه للمستشفيات والتزاحم للتبرع بالدم أثبتت أن البيئة الاجتماعية الأردنية عصية على الاختراق، وأن الفكر التكفيري الغريب لن يجد له موطئ قدم في قرى الجنوب وشرايينه. وعلى الحكومة الاردنية ان تراجع وتعيد مسارها الحكومي من خلال التضييق على انتشار الافكار المتشددة الدموية التكفيرية . والا سوف تزيد هذه الحوادث في مناطق اخرى مختلفه في الاردن . وتكون عبارة عن غزة ثانية في الاردن .وعلى الصعيد السياسي والأمني، كشفت التحقيقات الأولية أن الجناة ينتمون إلى خلايا تكفيرية نائمة تتبع أيديولوجيات متطرفة حاقدة على الدولة والمجتمع. وجاء موقف العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ومؤسسات الدولة حازماً؛ فالأردن الذي خاض معارك طويلة ضد الإرهاب وكان ولا يزال واحةً للاعتدال والوسطية، لن يتسامح مع أي محاولة للمساس بأمنه الداخلي أو نسيجه الاجتماعي. وان ما حصل من تساهل في الايام التي مضت سوف يتغير مسارها نحو عقاب اشد واكبر .ة إن إعلان الحداد الرسمي في الاردن الشقيق وتفعيل الطوق الأمني على المنطقة، إلى جانب صدور قرار حظر النشر القضائي، هي إجراءات تهدف لحماية التحقيقات السرية، وسد المنافذ أمام الطابور الخامس والإشاعات المغرضة، وصولاً إلى إحالة جميع المتورطين والمخططين والممولين إلى محكمة أمن الدولة لنيل أقصى العقوبات الرادعة (والتي تصل للإعدام شنقاً في حالات الإرهاب المقترن بالقتل العمد). إن دماء الضحايا الأبرياء في كنيسة حمود لن تزيد الأردنيين إلا تمسكاً بدولتهم، ومؤسساتها الأمنية والقضائية، وتثبيتاً لمبدأ سيادة القانون. إن المعركة ضد الإرهاب والفكر المتطرف ليست مجرد مواجهة أمنية في الميدان، بل هي معركة فكرية ومجتمعية وقانونية تستوجب تحصين عقول الشباب وحماية المكتسبات الوطنية. ستبقى الكرك، كما كان الأردن دوماً، عصية على الفتنة، وستظل مآذنها وصُلبانها شواهد راسخة على وطن ينبض بالوحدة والصلابة والتآخي.

0 comments:
إرسال تعليق