تتجلى
الهيمنة الأمريكية، اقتصادياً وعسكرياً، على الشرق الأوسط والعالم في صورة أشبه
بقبضة "الأخطبوط" ذي الأذرع الطويلة والملامس اللاصقة التي لا يفلت منها
أحد. ومن نافلة القول الواقعي، وإن كان مؤلماً، أن أي دولة تحاول مجابهة هذه القوة
العظمى أو تنادي بتحرير فلسطين من "الربيبة المدللة" إسرائيل، تجد نفسها
أمام سياج مسدود لا انفراج فيه، بل تعرض كيانها وشعبها لأتون حروب ودمار شامل، دون
تحقيق أدنى نتيجة ملموسة على أرض الواقع. تجسد الحالة العراقية في عهد النظام
السابق ذروة هذا التصادم؛ فقد كان العداء المستمر لواشنطن والشعارات المنادية
بتحرير فلسطين سبباً في جر البلاد إلى حصار اقتصادي وثقافي وعلمي مرير، انتهى
باحتلال غاشم في التاسع من نيسان عام 2003. هذا الاحتلال الذي أفضى إلى تدمير
البنية التحتية ووقوع العراق تحت التبعية السياسية والاقتصادية، سواء رضينا بذلك
أم أبينا، في ظل صمت دولي وإسلامي مطبق، حيث اختارت بقية الدول الانحياز للصف
الأمريكي خوفاً من مصير "الأرض المحروقة" وحمايةً لمصالحها وشعوبها من
الانهيار تحت سطوة الدولار. لقد كان العراق ضحية لعدم التوازن بين الطموح السياسي
والقدرة الواقعية، مما أدى لخسائر بشرية فاقت المليون ونصف المليون شهيد، وهو رقم
يتجاوز تضحيات الثورة الجزائرية. والمفارقة المؤلمة هي أن العراق لم يبدأ في تلمس
طريق التعافي النسبي إلا بعد انخراطه في التعامل الواقعي مع المنظومة الدولية التي
تقودها واشنطن. اليوم، نشهد تكرار ذات السيناريو مع الجمهورية الإسلامية
الإيرانية؛ فبعد ذريعة "السلاح الكيماوي" في العراق، تبرز اليوم ذرائع
الصناعات الكيماوية والنووية لتطويق إيران وتحجيم قوتها. إن استهداف القادة
العسكريين والدينيين، والذي توج بالاغتيالات الغادرة والأخيرة، ليس إلا حلقة في
مسلسل العقاب الدولي لكل من يرفع راية العداء لأمريكا وإسرائيل.
يبدو
وكأن القضية الفلسطينية، في ظل الموازين الدولية الراهنة، قد تحولت إلى "لعنة"
تلاحق كل من يتبناها بصدق، فتصيب استقراره وتقدمه التقني والثقافي بالشلل. وفي
المقابل، نرى دول الخليج العربي تعيش طفرة من الرفاه والتقدم والأمان، بعيداً عن
ضجيج الحروب وصراعات الأمم المتحدة، وذلك لاعتمادها سياسة "الواقعية السياسية"
وبناء جسور الصداقة مع القوى الفاعلة عالمياً، مما جنبها ويلات الدمار التي لحقت
بغيرها.
هذا
الطرح ليس نكولاً عن القضية الفلسطينية المقدسة، ولا هو مباركة للظلم، بل هو
اعتراف صريح بواقع مرير قوامه أن "اليد الواحدة لا تصفق". إن تشرذم
العالم العربي والإسلامي جعل من المقاومة المنفردة انتحاراً سياسياً واقتصادياً. ستبقى
السطوة الأمريكية قدراً جاثماً على صدورنا ما دمنا نفتقد لوحدة الصف والقرار، وما
دام ميزان القوى مختلاً بهذا الشكل الصارخ. إنها الحقيقة الصارخة التي نكتبها
بمداد الألم، بعيداً عن الأوهام، وتوصيفاً لواقع خرجت السيطرة فيه من أيدينا،
ليبقى السؤال: إلى متى سنظل رهينة هذا الصراع بين المبدأ والواقع؟
2 / 3 / 2026

0 comments:
إرسال تعليق